ويمكن لذلك أن نربط بين تفشي المؤلفات السيكلوجية والمؤلفات القصصية؛ لأنها جميعا تعود إلى إحساس بالاستقلال ومحاولة لبناء الشخصية ورغبة في الاستطلاع والارتقاء.
فلم يكن من الممكن مثلا أن نكتب القصة قبل 1919؛ لأن القصة تحتاج، أول ما تحتاج، إلى شخصية، ولم يكن الوسط الريفي الذي أجبرنا الإنجليز على أن نعيش فيه كي نتخصص في زراعة القطن، والذي أخذنا بقيمه حتى حين كنا نعيش في المدينة، لم يكن يتيح لنا أن نصف شخصية مصرية، ثم كان الفصل بين المرأة والرجل، أي الفتاة والشاب، تاما أو كالتام، فلم يكن ثم مجال لأن نصف لقاء يؤدي إلى حب إلا إذا كان لقاء الاختلاس الكريه الذي يعزف عنه الكاتب النظيف.
ولكن بعد 1919 ظهرت الشخصيات، وظهر السفور، فظهرت القصة.
وكانت في الأغلب قصة غرامية، ثم تفشى التعليم الثانوي والجامعي وأحب الشبان أن يقرءوا ما يلهون به فوجدوا في هذه القصة ما اشتهوا، ولا أستطيع أن أقول إن المؤلفين قد أخرجوا قصصا عالية، ولكنهم حاولوا، وكانوا رائدين، وحسبهم هذا الفضل.
وأحجم الكتاب القدامى عن التأليف في القصة؛ لأنهم كانوا قد اعتادوا المقالة وثبتوا عليها، ثم كانوا أيضا على غير وجدان بالتطور الاجتماعي للشباب المصري فلم ينتبهوا إلى قيمة القصة، ومن سوء حظنا أن كثيرا من الكتاب القدامى غير متطورين.
وإلى الآن لا تزال القصة، أو بالأحرى الأقصوصة الغرامية، هي السلعة العامة في سوق الأدب القصصي، وأنا لا أنتقص قيمة القصة الغرامية؛ لأن المؤلف العظيم يستطيع أن يرتفع بها إلى أسمى المعاني وأجملها في الحب الذي هو حق الشباب وسعادته، ولكن ما يجب أن ننتقص هو الحب الغادر الذي ترتب مؤامرته في الظلام.
وأكبر ما آخذه على كثير من كتاب القصص أنها تخلو من النزعة الإنسانية، فإن الولاء للبشر هو مذهب الأديب، فإذا كفر به فقد كفر بالآداب والفنون جميعا.
ولا تزال القصة السيكلوجية نادرة، ولكن المحاولات الأولى التي ظهرت من بعض كتابنا تبشر بالخير، ونعني بالقصة السيكلوجية هذا التفطن للبواعث، وهذا الانسلال إلى المركبات الاجتماعية التي تنتهي بإيجاد شخصية ما وتكشف عما يبني ويهدم من الأخلاق، وتسبر الأعماق في الحب والزواج والارتقاء، وتقف القارئ على نزعات النفس أو تشوفات الذهن.
وأخيرا هناك القصة الاجتماعية، وهي بلا شك سيكلوجية أيضا، ولكنها تبحث المجتمع أكثر مما تبحث الفرد، وهي عند الشاب الناضج تأخذ مكان القصة الغرامية؛ لأنها تحليل وتأليف ونقد وعرض، كما أنها تتناول السياسة والاقتصاد، والعائلة والحرفة، والفقر والثراء، واعتداءات الاستعمار وحركات التحرير، والحرية والتقاليد، والسلطة والاستقلال.
وأخيرا هناك القصة العلمية التي لم تعرف إلى الآن في مصر، مع أن هذه القوة الجديدة هي أخطر ما رآه الإنسان في تاريخه الماضي والحاضر؛ إذ هي قوة التدمير والفناء كما هي قوة البناء والإنتاج.
অজানা পৃষ্ঠা