زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة
ذكر الدولة القاهرة التركية وابتدائها بالديار المصرية، وانتشارها في البلاد الشامية، واستيلائها على الثغور الساحلية، وامتدادها إلى الممالك الحلبية والفراتية، وقيامها بنصر الملة الاسلامية، وإقامة الدولة العباسية من لدن الخلافة المستعصمنية وذلك من استقبال سنة خمسين وستمائة
استمددت العون من ذي الجلال والاقتدار، واستوفيت ما اخترته من صحيح الأخبار في كتابي هذا الذي غنيت بجمعه، و كلفت بوضعه و سميته «زبدة الفكرة في تأريح الهجرة» وسقته بتوالي سنى الملة المحمدية، حتى انتهى إلى بداية الدولة المنيرة التركية القائمة الآن بالممالك الاسلامية، أعز الله أنصارها وأعلى منارها وزوى إليها أفاق البلاد وأقطارها، وأرجاء الأقاليم وأمصارها، حتى يحوى سلطانها الأداني والأقاصى، وينقاد لطاعتها الجانح والعاصى، وتأخذ الأعداء بالنواصى، وتستنزل المعاند من القلل والصياصي، فإنها دولة تداركت رمقة الاسلام، وأنارت وجوه الليالي والأيام، وجردت للاعتزام كل حسام، ورتقت كل فتق قصر دونه الاهتمام:
الأول، واستحكمت أراخي تدبيرها بعون قدرها ومجري مقاديرها فسلمت من الخطأ والخلل:
صفحة ١
واستفحال أمرها، وتدبير ملوكها، وانتظام سلوكها، أن أذكر مبدأ أحوال هذه الطائفة، الذين قلدهم الله بسياستها، وأنهضهم بتدبير رياستها، وأجلاهم من بلادهم الشاسعة وأقطارهم الواسعة، وساقها إليهم بحكمته، وقاد إليهم أمرها بأزمته، بأسباب: مشتملة على حكم لا تدرك العقول أغوارها، ولا تبلغ الخواطر أسرارها، حتى حقن بهم الدماء، وسكن الدهماء، وصير صغارهم كبارا لقوم آخرين، ومقهوريهم لعزة قاهرين، ومن على المستضعفين منهم بتوريثهم مالك الاسلام وذهم عن حوزة أهل بيت نبيه عليه و السلام، تصديقا لأخباره و تحقيقا لآثاره المنيفات المدونة عن الثقات أنه لا تزال فئة تقاتل عن هذا الدين ظاهرة إلى يوم القيامة.
صفحة ٢
العبيدية من الملوك المسمين بالعلوية إلى الذرية الأيوبية، كما كر مساقا، وأوردناه اتساقا، فلما شا الله عز وجل انقراضها، وقضى بانتفاضها، وسبق في علمه أن صلاح الناس في تولية أولى النجدة والباس، وأين الأتراك أوفر الأجناسي عقلا وحزما، وأن في هدايتهم إلى الايمان صلاخا خاصة وعاما، فشات قدرته أن ينقل طائفة منهم من أطلالهم بل من ضلالهم ويرشدها إلى مصالح ليشيد بها أركان دينه القويم، ويخرجها إلى نور الايمان من ظلم الكفر البهيم. فاتفق من هذا) ظهور التتار واستيلا وهم على البلاد المشرقية والشمالية، وتعديهم إلى الأتراك القفجائية) فأوقعوا بهم ما قدمنا ذكره من الوقائع وأوردوهم من القتل والسبي والأسر أمر الشرايع، فببعت ذراري الترك القفجاق، وجلبهم التجار إلى الآفاق، سيق منهم إلى الديار المصرية والبلاد الشامية في آخر الدولة الأيوبية جموع من الشبان وأواسط الفتيان، فاشتراهم ملوك بني أيوب بأنفس الأثمان ليتجملوا بهم في المواكب ويعتضدوا بهم في الكتاب، واتخذوهم عدة في النوايب لما فيهم من الشجاعة والاقدام و ثبات الأقدام ورمي السهام، ودربتهم برياضة الخيول، وصبرهم على الخطب المهول، واعتيادهم بشظف الحروب وممارستهم منذ طفولتهم الخطوب، وصيروا منهم الأمرا الأكابر والمقدمين على العساكر، ورفعوا منازلهم وحصلوا بهم معاقلهم. وأول من اهتم بتحصيلهم واحتفل بتجميلهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخوه الملك العادل أبو بكر، ثم ولده الكامل والأشرف والمعظم. فلما أفضت المملكة إلى ولده الصالح نجم الدين، استكثر منهم استكثارا بذل فيه المجهود، وبلغ منهم المقصود. فبذل فيهم الأموال العظيمة، ولم يتوقف عند شرائهم في كثرة القيمة، واعتمد عليهم لما جرب من نضحهم له، وثباتهم حوله، واشتمالهم عليه حين أسلمه بنو جنسه، وذهم عنه حتى سلم الله بهم حشاشة نفسه على ما ذكرناه من واقعته، فألفاهم من أهله أنفع، ومن أوليا نعمته له أطوع، وإلى مناصرته و ومظافرته أشرع، فتكتل عنده منهم العدة الوافرة، وصارت له بهم الهيبة الظاهرة، حتى انقضت أيامه ودني حمامه، فقضى نحبه ولحق ربه، فأساء ولده معهم التدبير، واعتمد التبذير، وبذل لسانه في مذمتهم والوعيد بازالة نعمتهم، فحملهم ما رواه من بعض رأيه [علي] ما ذكرناه من أنبايه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه والجاد ع مارن أنفه بكفه، ولم يسمع قول القايل:
المقدور جري بتلك الأمور وأنشد في المعنى:
صفحة ٣
البيت الأيوبي ولا يخرج عنه، فألقوا إلى زوجة الملك الصالح المسماة «شجر الدر» المقاليد، وقالوا: هذه عوض مولانا الشهيد، ونحن لها كما كنا له كالعبيد، واستمرت برهة من الزمان عليها يمة السلطان، فكانوا أطوع لها من البنان، وأحنى عليها من الجنان. فقصر ذلك بالملك وأزرى عليه وامتدت أطماع من كان بالشام إليه، فاحتاجوا إلى إقامة رجل يزاحم بمنكبه المناكب، ويباهي بموكبه المواكب، ويقوم بتدبيره البلاد والعباد، ويحسم مواد الفساد ويبنى على الأساس والعماد:
الأتابكية
صفحة ٤
المصرية على ما نذكره إن شا الله. وأنا ذاكر ما اتفق من الأسباب الموجبة لهذه الأجلاب، أعني المماليك و المستقلين إلى رتبة الملك، وإن كنت أوردت منها بدا متفرقة فيما تقدم من أجزاء هذا التاريخ في أوقاتها وبنيها فإني ألخص الآن بعض معانيها ليستقل هذا الكتاب بأخبارهم المستأنفة والآنفة، ويكون لما تقدمه كالرادفة، فأقول: إن هذه الطايفة المذكورة التركية قوم سكناهم بالبلاد الشمالية لا يتخذون جدارا، ولا يستوطنون دارا، بل ينتقلون في أراضيهم من مصايفهم إلى مشانيهم في ارتياد مياههم ومراعيهم. وهم قبايل متعددة، يرجعون في النسبة إلى أسلافهم وينتمون إلى كبار أسلافهم. ومن قبائلهم قبيلة طقصبا وبنار وبرج أوغلى والبرلى وقنغراغلي وأنجفلي ودورت وقلابا أغلى وجرتان وقرابر كلي وكين. ولم يزالوا مستقرين في مواطنهم قاطنين بأماكنهم إلى أن اتفق خروج التتار، كما ذكرنا بتلك الأقطار واستيلا وهم على تلك الأقاليم والأمصار. فلما كان في سنة ست وعشرين وستماية، والملك يومين بكرسي جنكزخان بعد وفاته ولده دوشي خان، اتفق أن شخصا من قبيلة دورت بسمي منفوش بن كين خرج متصيدا، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه أق كبك، وكان بينهما منافسة قديمة، فأخذه أسيرا ثم قتله. وأبطي خبر منفوش عن أبيه وأهله، ولم يعلموا أحي هو فيرجي أم ميت مسجي، فأرسلوا شخصا اسمه جلنفر ليكشف أمره ويسبر سره، فعاد إليهم مخبرا بأن أق كبك قد أوقع به وأعدمه. فعملوا ماتمه. ثم جمع أبوه أهله وقبيلته وتأهب لقتاله، فالتقت الفيتان واصطدم القبيلان (كذا) فكانت الكسرة على قبيلة طقصبا وجرح أق كبك وتفرق جمعه، فأرسل أخا له يسمي أنص إلى دوشي خان بن جنكزخان مستشرخا ومستعديا فشكا إليه ما حل به وبقومه من قبيلة دورت القفجائية)، وما فعله كين وجماعته بأخيه وقبيلته، وأعلمه أن قصدهم لم يجد من دونهم مانعا ولم يصادف عنهم دافعا، فأرسل دوشي خان معه شخصا من ثقاته ليتجسس له الأخبار ويجوس خلال الديار، ويبصر حال القوم وعدتهم واستعدادهم وعدتهم، وهل إذا رامهم يمكنه الاستظهار أو لهم منعة لحماية الذمار. فتوجه القاصد المندوب من عند دوشي خان صحبة أنص، فسار بهم إلى منازلهم ومحالهم، وأطلعه على حالهم، وعاد إلى دوشي خان، فسأل قاصده عما رأى منهم ليخبره عنهم، فقال: رأيت كلابا مكبة على إلية متي طردتهم عنها تمكنت منها. فأطمعه ذلك في البلاد التنجاق ومال إلى قصدها وناق. ثم و سأل أنص وقال له: أنت قد عاينت حال قومكم وقومنا، فأخبرني عن أمرهم وأمرنا، فقال له أنص: أما نحن فإنا ألف فارس شجر ذنبا واحدا، وأما أنتم فإنكم رأس واحد يجر أذنابا كثيرة. فزاده قوله طمعا في منالها، وحضا على قتالهم. فسار إليهم في عساكره، وأوقع بهم أشد الإيقاع، وفرقهم في البقاع، وأتي على أكثرهم قتلا وأسرا وسبيا وسلبا. فكان هذا السبب الحقير محركا لهذا التأثير:
إحضارهم إلى هذه الديار، فمن الله لهم الأسباب، وفتح أمامهم الأبواب، وعوضهم من المذلة والهوان وفراق الأقارب والإخوان دخولهم في الإيمان، وتخويلهم مزيد الاحسان، فسبحان اللطيف المنان. وإذا ذكرنا مبدأ المقتضي لجلبهم إلى هذه الديار، فلنعد إلى ما نحن بصدد سياقته من الأخبار، وبالله التوفيق.
صفحة ٥
ذكر انفراد الملك المعز عز الدين أيك الصالحي النجمي الجاشنكير المعروف بالتركماني، أحد البحرية النجمية، بالسلطنة
رتب الملك الأشرف بن الملك المسعود المعروف بابن أتسز في السلطنة بالديار المصرية، صيروا الأمير عز الدين المشار إليه أتابك العساكر، وفرضوا إليه أمر المماليك، وأضيف اسمه: إلى اسم الملك الأشرف في التواقيع والمناشير وسكة الدراهم والدنانير. واستمر الحال على ذلك. فامتدت أطماع الملك الناصر بن العزيز صاحب الشام، إلى فقد الديار المصرية وانتزاعها من أيدي البحرية، ثم تبع ذلك الإرجاف بما تواترت الأخبار بحركة التتار، ودخول هولاكوا بلاد العراق واستيلائه على تلك الآفاق. وكان الملك الأشرف مهتضم الجانب لصغر سنه وطفولته، فاجتمعت الآرا، واتفقت الأمرا، على استقلال الأمير عز الدين أيبك التركماني بالسلطنة، واستبداده وجلوسه فيها على انفراده. فاستقل بأمورها، وقام بتدبيرها، وأزيل عن الأشرف اسمها ورسمها، وأسقط ذكره من الخطبة، وأبطل اسمه من نقش السكة في شهور هذه السنة - أعني سنة خمسين وستماية. ولما استقل الملك المعز، شرع في تحصيل الأموال واستخدام الرجال، واستوزر شخصا من نظار الدواوين يسمى شرف الدين هبة الله بن صاعد الفايزي، كان من القبط الكتاب، فعدل عن أهل الكتاب وأسلم في الدولة الكاملية، فتقدم في المناصب الديوانية، فقرر أموالا على التجار ذوى اليسار وأرباب العقار، ورتب مكونا وضمانات، وسماها حقوقا ومعاملات. واستقرت وتزيدت الى يومنا هذا.
عند الخليفة المستعصم، ليصلح ما بين الملك الناصر صاحب الشام وبين الملك المعز صاحب مصر. فتقرر الصلح وترتب، ورجع الملك الناصر وعسكره إلى دمشق، وعاد المعز من الباردة الى قلعة الجبل.
دمشق مخطوبة من الملك الناصر، فبنى بها ودخل عليها.
صفحة ٦
وكان أكبرهم وأقدمهم عنده هجرة، وأعظمهم لديه أثرة.
ذكر وفاة باطوخان بن دوشي خان ابن جنكزخان بلاد الشمال
مدة مملكته ببلاد الشمال ونواحي الترك والقفجاق مدة عشر سنين، وهو: ثاني ملك تملكها من ذرية جنكز خان، وكرسي هذه المملكة راي. وخلف من الأولاد ثلاثة وهم طغان وبركة وبركجار فنازعهم أخوه المملكة، واستبد بها دونهم. وكان اسمه صرطق بن دوشي خان بن جنكز خان. فاستقر في هذه السنة في الملك بالمملكة المذكورة.
وصاروا تحت حوز التتار وطاعتهم، ومرجع أمرهم إلى صاحب الكرسي الأكبر بقراقروم، وكان به يومين منكوقان بن طلوخان بن جنكز خان، فأرادوا الوثوب عليه، واتفقوا مع ملكهم واسمه ايدي قون ومعناه صاحب الدولة، وهو نعت لمن يلي الأمر الايغوري، واتفق معهم جماعة من أمرا منكوقان، فبلغه الخبر، وينت له أسما الجماعة الذين اجتمعوا على قتله، فأمر بإحضارهم، واستقرهم فأقروا بما اتفقوا عليه، فأمر بحملهم إلى بشبالت والحوطة على أموالهم وموجودهم، وأن تضرب رقابهم هناك محشر من الناس، فعل بهم ذلك، وأوقع بايدي قوت ورتب عوضا عنه شخصا من الايغور اسمه عنصب، وجعله ابدي قوت عليهم.
صفحة ٧
وهو هولاكوا بن طلوخان بن جنكزخان. فسار فيمن معه من الجيوش إلى البلاد الإسماعيلية، وهم يسمون عند العجم ومسلمة التتار الملاحدة، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا ونهبا وأسرا وسبيا، ووصلت غاراتهم إلى ديار بكر وميافارقين وسروج وغيرها، وقتلوا أكثر من عشرة آلاف نفر في هذه البلاد، وقيل: في السنة التي بعدها.
وفيها توفي الشيخ أبو عمران الحصكفي، وكان قد ولى القضا بأمد، والشيخ أبو المكارم سعيد بن أبي البقا خائد الخالدي الحلبي المعروف بابن القيسراني، وكان والده أبو: البقا قد وزر للملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله، وسيره رسولا إلى الديار المصرية. وكان حسن الخط.
وفيها توفي الشيخ أبو الفضائل الحسن بن محمد بن حيدر الصنعاني اللغوي، وكان عالم باللغة، وله فيها مصتفات وجموع.
وتوفي بمصر الشريف أبو عبدالله محمد بن الحسين الأزموي الفقيه الشافعي المعروف بقاضى العسكر. تولى نقابة الأشراف وقضاء العسكر، وأرسل إلى بغداد وغيرها، وصحب شيخ الشيوخ أبا الحسن بن خويه، وتفقه عليه. وكان من الرؤساء المذكورين والفضلاء المشهورين.
وفيها توفي شمس الدين بن سعد الكاتب المقدسي، كتب للصالح إسمعيل وللناصر داوود، وكان دينا فاضة شاعرا. ومن شعره من أبنات يتنصح بها إلى الصالح إسمعيل ويحذره من بطانته:
صفحة ٨
وفيها توفي جمال الدين بن مطروح، وكان فاضلا كيسا شاعرا، ومن شعره لما فتح الناصر داوود برج داوود بالقدس الشريف وأخربه فقال:
صفحة ٩
منكوقان بقراقروم وصرطق ببلاد الشمال وهولاكوا بالعراق. والسلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباد الأكبر بالروم و كرسيه قونية، والمعز عز الدين أيبك الصالحي بالديار المصرية، والناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز ابن الظاهر غازي بن الناصر الكبير بالبلاد الشامية، وله دمشق وحلب وحمص. والملك الأشرف مظفر الدين موسي بن المنصور صاحب حمص بتدمر والرحبة أخذهما من الملك الناصر تعويضا عن حمص، وبالكرك الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل سيف الدين ابي بكر بن الملك الكامل. والملك الصالح عماد الدين اسمعيل بن العادل ببعلبك وبضرى والسواد. والملك المنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقي الدين محمود بن المنصور بن المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب بحماة. والملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازي بن العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بميافارقين. وبالموصل الملك الرحيم بدر الدين لولوا. وبغداد الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين. وأرباب الوظائف بالديار المصرية: الأمير سيف الدين قطز المعزى نايب السلطنة، والصاحب شرف الدين الفايزى الوزير، والقاضي بدر الدين يوسف السنجاري متولى الحكم العزيز بالديار المصرية استقلالا بالقاهرة ومصر والوجهين القبلي والبحري. وحج الناس في هذه السنة من العراق بعد عشر سنين بل الحج فيها من بغداد منذ مات المستنصر إلى هذه السنة.
سنة إحدى وخمسين وستمائة
المصرية، وانحازت إليه البحرية، وأرسل إلى المك المظفر صاحب حماة يلتمس وصلته، ويخطب إليه ابنته. وكان الرسول إليه الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين المعروف بابن حنا ولم يكن والده وزر بعد وإنما كان مرشحا لذلك فلما وصل الى صاحب حماة تلقاه بالاجلال وإجابة السوال وجهز ابنته بما يليق مثلها فسمت نفس الأمير فارس الدين وعلت رتبته وكثرت أتباعه وشيعته وأنعم على البحرية وغيرهم من الخوشداشية بالاقطاعات والصلات والاطلاقات فكانوا لا يعبئون بالمعز ولا يلبسونه ثوب عز بل ينضمون جانبه ويعطلون مراسمه ومآربه وينتقصون حرمته ويغضون منه وهو يسر ذلك كله ويخفيه ويضمره في نفسه ولا يبديه وأعمل الحيلة في قتل الأمير فارس الدين لأنه الرأس واذا قتله لا يثبت بنيان البحرية بغير أساس فانقضت هذه السنة وهم على هذه الحال والبحرية منهمكون على اللذات والصيد والمعز ينصب لهم حبايل الكيد.
صفحة ١٠