344

[192]

لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من وعده؛ فالحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له من خير عهده، ونقض عقده، حتى رد الله به الألفة بعد فرقتها، وأحيا به الأعلام بعد دروسها، وجمع به الأمة بعد فرقتها، والسلام.

فلما عرض النسخة على ذي الرياستين رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك! وأمر له بصلات وكسي وكراع وغير ذلك، وقال له:

إذا كان فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب إلى الآفاق.

ولما استقامت الأمور للمأمون رد التدبير إلى ذي الرياستين، وأمضاها على رأيه، وكتب إلى طاهر وهرثمة بتسليم ما في أيديهما من العمل إلى علي ابن أبي سعيد، ابن خالة الفضل بن سهل، وكان يعرف بذي القلمين.

وكان علي بن أبي سعيد كريما متكبرا، قليل الضحك؛ وذكر الأصمعي أنه اجتهد في أن يضحكه فما ضحك إلا مرة متبسما، قال: ولقد أضحكت الرشيد ويحيى بن خالد فمن دونهما، قال: وأمر لي مرة بطيلسان، فلما ألقاه الغلام علي، لزمت الذي كان علي بيدي جميعا، فقال لغلامه: ألبسه فوقه، فألقاه فوق طيلساني، فمسسته بيدي، فقال لي: كأنك تسترقه؟ قلت: نعم. فأمر لي بطيلسان أصفق منه، فلما ذهب الغلام ليلقيه علي، أمسكت الطيلسانين الأولين بيدي، فقال للغلام: ألبسه فوقهما، فألقاه علي، فقمت وعلي ثلاثة طيالسة، فتبسم حينئذ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.

ثم قلد المأمون الحسن بن سهل خلافته، وأنفذه إلى العراق، فلما خرج من حضرته خرج معه مودعا له، فلما بلغ غاية المشيع قال له: اذكر يا أبا محمد حاجة إن كانت لك؛ فقال له: نعم يا أمير المؤمنين، أحفظ علي من قلبك مالا أستطيع حفظه إلا بك.

ولقب المأمون الفضل بن سهل ذا الرياستين. ومعنى ذلك رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على سنان ذي شعبتين، وأعطاه مع العقد علما قد كتب عليه لقبه، فحمل العقد علي بن هشام، وحمل العلم نعيم بن حازم.

صفحة ٣٤٤