279

[153]

إخباره، وقال له: ما تحفظ مما يشبه ما تراه من الأحاديث والأخبار والأشعار التي رويت؟ فقال: قول مجنون بني عامر:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منا ... فهيج أطراب الفؤاد وما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلي طائرا كان في صدري

فقال: أحسنت، خذ الدواج فهو لك، فأبى أن يفعل ذلك، وطالبه الفضل بأخذه، فقال: ما أصنع به إذا أخذته والسجان لا يدعني أخرجه؟ فأرسل إلى السجان يسأله إطلاق إخراجه له، فقال: لابد لي من إعلان مسرور بذلك، لأني لا آمن أن يتأدى إليه، وكتب إليه الخبر، وكتب بالخبر إلى مسرور، فأنهى ذلك إلى الرشيد، ففكر مليا، ثم قال: ما وهبناه له ونحن نريد أن نرتجعه منه، فليهبه لمن يشاء، فأخذ سعيد الدواج، ثم نهض، فقال له الفضل: بقى عليه مالا آمنه، قال: وما هو؟ قال: الخوف أن يسأل عن السبب الذي له أعطيتك الدواج، فإن ذكرت القصة على جهتها، كان في ذلك ما لا آمن مكروهه، ولكن سبب لذلك سببا من بعض أشعارك وأخبارك وملحك، وأدر ذلك بيني وبينك، فأينا سئل عن السبب خبر به، فلم يختلف الخبران، قلت: والله ما أدري ما أحدثك به، قال: هات ما أمكنك، قال: قلت: كان لي باب صغير إلى داري لا يدخل منه إلا المرد، وكان لي خادم موكل بذلك الباب، فأتاني يوما، فزعم أن إنسانا ألحى بالباب يستأذن، فقلت: يا هذا، أمرتك بالاستئذان لمثل هذا؟

فقال: إني قد عرفته السنة، فأبى إلا الاستئذان له، وزعم أنه ممن كان يدخل من هذا الباب، فقمت فاطلعت، فإذا هو حريف كان لي قد غاب غيبة، فاتصلت لحيته فيها، وجاء لعادته، فرجعت إلى مجلسي، وكتبت إليه:

قل لمن رام بجهل ... مدخل الظبي الغرير

بعد ما علق في خديه ... مخلاة الشعير

صفحة ٢٧٩