عندما حان الوقت لمغادرة الوادي، قاد عظيم بيك السيارة بنا إلى شيترال، وسألني إذا كان من الممكن أن نتوقف عند منزل عند سفح وادي الكلاشا، حيث جميع السكان مسلمون (في الواقع، كان يقع في البلدة نفسها التي بها مدرسة وزير). كان يقدم التعازي للأسرة التي تعيش هناك ودعاني للانضمام إليه. لقد لاحظت كم كان سفيرا جيدا مع أهله، وأن جزءا من هذا تمثل في تقليله من أهمية هويته بوصفه فردا من الكلاشا. فيمكن اعتبار اسمه اسما مسلما (قال لي أحدهم إنه منذ عشرين عاما لم يسم أي طفل باسم قديم الطراز من أسماء قبيلة الكلاشا). وقد دعا مع الأسرة بالطريقة المسلمة ، حيث رفع يديه ومسح بهما على وجهه رمزيا. قد يكون كسب احترام المسلمين بهذه الطرق مفيدا جدا عند الحاجة. ففي مرة أخذ بعض أفراد الكلاشا رهائن أثناء نزاع على الأرض، وساعد عظيم هذه الأسرة في إطلاق سراحهم.
تشتهر قبيلة الكلاشا بالنبيذ والبراندي المحلي الصنع، اللذين لا يحظرهما دينهم. يظهر هنا وزير علي (على اليسار)، وعظيم بيك (الثالث من اليسار)، والمؤلف (بينهما) يتذوقون النبيذ خلال عيد تشوموس في يناير 2013.
احتاج الكلاشا إلى الدبلوماسية لأنهم كانوا مستضعفين. وقد أظهر كتاب لمسلم باكستاني متحمس مدافع عن الكلاشا في عام 1982 صورة قاتمة للعلاقات بين الكلاشا والمسلمين؛ بدءا من تخريب الأماكن المقدسة الخاصة بالكلاشا، إلى عرض المال على أفراد الكلاشا الذين يعتنقون الإسلام، و«النشاط التبشيري لمعلمي المدارس وتشهيرهم المستمر بثقافة الكلاشا.» يعتقد الكاتب، على حد تعبيره، أن «الغرباء الذين يعانون من الشعور بالثقافة المتفوقة» يدمرون التقاليد القديمة. وكان يظهر جزئيا الجهود التي بذلت في خمسينيات القرن الماضي، بعد الاستقلال بوقت قصير، ليغير أفراد الكلاشا قسرا دينهم إلى الإسلام.
قال عظيم بيك ووزير إن الأمور قد تحسنت على مدى العقود القليلة الماضية. وكانت الشرطة الباكستانية تتحكم في إمكانية الدخول إلى الوادي ولا تسمح بدخول بعض من المبشرين الأكثر عدوانية. قالا لي إن أعدادهم كانت في تزايد. ومن الواضح أن السياحة - على الرغم من انخفاضها - قد أفادت قراهم التي لديها الآن عدد من المنازل الجديدة المشيدة جيدا. ومع ذلك، فقد أخبرني رجل من الكلاشا أن الزوار المسلمين يزعجونه دائما بسؤالهم: «لماذا لم تغير دينك بعد؟»
كنت أخشى أن يكون في انتظارهم ما هو أسوأ بكثير. فقد كانت باكستان دولة متناقضة. أسسها مسلم شيعي ليبرالي، ولكن في السنوات العشرين الماضية، قتل أربعة آلاف شيعي هناك، ونشر قانون ازدراء الأديان بشكل قمعي ضد الأقليات في البلاد، واقتطع المتطرفون الدينيون مناطق تكاد تكون ذاتية الحكم في مناطق البشتون بالقرب من شيترال، حيث لا يعترضهم إلا الطائرات الأمريكية بدون طيار المميتة والمثيرة للجدل. يمكن للسياسيين الباكستانيين الذين يرون مجموعة كاملة من الدوائر الانتخابية الصعبة التي يجب عليهم شراؤها أن يتدبروا أمر واحدة رخيصة؛ فالأصوليون المتدينون سوف يقدمون دعمهم مجانا إذا منحوا نفوذا على التعليم وأخلاق الناس. كل ما هو مطلوب هو المقامرة بالمستقبل.
ومع ذلك، لا يزال من الممكن العثور على قدر قليل من التسامح في باكستان حيثما أبعد الأصوليون، وكانت شيترال معزولة إلى حد كبير عن بقية باكستان بتضاريسها والحدود التي رسمتها بريطانيا، والتي وضعت جزءا من الوادي في أفغانستان. وفي فصل الشتاء، كان الطريق البري الوحيد لمدة طويلة شاقا للغاية؛ حيث كان يتضمن إما صعود ممر لواري (على ارتفاع عشرة آلاف قدم) أو القيام برحلة عبر الأراضي الأفغانية. ولكن في وقت زيارتي، كان نفق يحفر أسفل الممر، وعند فتحه بالكامل سيوفر طريقا سهلا بين شيترال وبقية باكستان. وسيعزز الاقتصاد المحلي ولكنه قد يجلب أيضا تغييرات أخرى غير مرغوب فيها. قال لي المصور الباكستاني ذو الفقار بحزن: «عندما يفتح هذا النفق، أتساءل إلى متى ستستمر قبيلة الكلاشا.»
الخاتمة
ديترويت
في متجر كبير في مدينة ديترويت الكبرى، وهي منطقة حضرية تضم نصف مليون شخص تعود جذورهم إلى الشرق الأوسط، سمعت امرأة ترتدي ثوبا خارجيا فضفاضا لونه أبيض تأخذ استراحة من رص البضائع على الأرفف لمخاطبة أحد العملاء بلغة تكاد تكون مألوفة لي؛ كانت مثل العبرية والعربية، لكنها مختلفة، وكلماتها غير معروفة لي، تتدفق بسلاسة ولكنها مليئة بالحروف الساكنة الصعبة. كانت اللغة الآرامية. ها أنا أسمع لغة المسيح، وسط موسيقى الخلفية ومشروبات الفاكهة الاصطناعية في متجر أمريكي في الضواحي.
كانت الآرامية يوما ما اللغة المشتركة في الشرق الأوسط في مرحلة ما قبل الإسلام. وكانت جميع لهجاتها المختلفة تشبه إلى حد كبير كلا من اللغة العبرية والعربية، وتعتبر الآرامية بالنسبة إليهما في الأساس ذات قرابة لغوية. (على سبيل المثال، كلمة «السلام عليكم» بالعربية يقابلها في العبرية «شالوم أليخم»، وفي الآرامية العراقية «شلاما لوخم».) ولا تزال هي اللغة التي يستخدمها الحاخامات التقليديون في القدس عندما يلعنون أحدا. وتحمل واحدة من أشهر الطقوس اليهودية ، صلاة الكاديش، اسما آراميا وليس عبريا. (فكاديش كلمة آرامية تعني «مقدس».) في الشرق الأوسط ، حلت اللغة العربية محل اللغة الآرامية حاليا، ولكنها لا تزال شائعة في القرى الشمالية البعيدة حيث عانى مسيحيو العراق على مر القرون. فعندما شاهد أهل تلك القرى فيلم ميل جيبسون «آلام المسيح» عام 2004، الذي كان باللغة التي كانت تستخدم في زمن يسوع، تمكنوا من فهمه دون ترجمة.
صفحة غير معروفة