مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين
الناشر
مكتبة الفلاح
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
مكان النشر
الكويت
تصانيف
•علم المقاصد
ومن حكمة الله تعالى أن جعل قلوب العباد ميدان حرب وصراع، فالقلب يتعاوره ملك وشيطان، هذا يلمّ به مرة، وهذا يلمّ به أخرى.
يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (١).
ووضّح الرسول ﷺ ذلك، ففي الحديث: "إن للْمَلِك بِقَلْب ابْن آدَمَ لَمَّةً، ولِلشيْطَانِ لَمَّة، فَلَمَّة الْمَلَك إيعَادٌ بِالْخَيْر، وَتَصْديقٌ بالْوَعْدِ، وَلمَة الشيْطَانِ إيعَادٌ بالشر، وتَكْذِيبٌ بِالْمَوْعِدِ، ثم قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
يقول ابن القيم معقبا على الحديث: "فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه كله نهارا، وآخر بضده" (٣).
وقال الحسن البصريّ: "وإنَّما هما همّان يجولان في القلب: همٌّ من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدا وقف عند همّه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوّه جاهده ... " (٤).
والشيطان إنّما يصارع ليملك القلب ويستولي عليه، فيفسده، وبفساده يفسد الجسد كله، يقول الرسول ﷺ: "أَلَا وإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صلَحتْ صَلَحَ الْجَسدُ كله، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد كلهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْب" (٥)، ويقول: "إنّمَا الأعْمَال كَالْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَسْفَله طَاب أَعْلاه، وإِذَا فَسَدَ أسْفله فَسَدَ أعْلاه" (٦).
(١) سورة البقرة /٢٦٨.
(٢) سورة البقرة /٢٦٨، والحديث رواه الترمذي، وقال فيه: هذا حديث غريب، (انظر مشكاة المصابيح ١/ ٢٨).
(٣) إغاثة اللهفان: ١/ ٢٨.
(٤) الغنية ١/ ٨٩.
(٥) رواه البخاري ومسلم، (صحيح الجامع ج ٣، حديث رقم ٣١٨٨).
(٦) رواه ابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، (صحيح الجامع ج ٢، حديث رقم ٢٣١٦).
1 / 363