التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي
المعنى واللغة: هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الاولى بأنهم كانوا يقولون في أكثر أحوالهم " ربنا اغفر لنا ذنوبنا " لان من المعلوم أنهم قد كانوا يقولون أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الاكثر لم يعتد بذلك.
وقيل: معناه وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعا إلى الله وطلبا لمغفرته.
وقوله: " اغفرلنا ذنوبنا " أي استرها علينا بترك عقابنا، ومجازاتنا عليها " واسرافنا في امرنا " فالاسراف هو مجاوزة المقدار الذي تقتضيه الحكمة. والاسراف مذموم، كما أن الاقتار مذموم، كما قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط "(1) وكما قال " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما "(2) والاسراف، والافراط بمعنى، وضدهما التقصير والتقتير.
وقيل الاسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان والاول أظهر. وأصل الاسراف مجاوزة الحد يقال: سرفت القوم إذا جاوزتهم، وأنت لا تعرف مكانهم وسرفت الشئ إذا نسيته لانك جاوزته إلى غيره بالسهو عنه.
ويقال: أصنع من سرفة، وهي دويبة صغيرة تنقب الشجر، وتبني فيه بيتا.
إن قيل: كيف قوبل الذنوب والاسراف في الامر؟ قلنا: قال الضحاك: هو بمنزلة اغفر لنا الصغير والكبير من خطايانا.
الاعراب، والمعنى: و" قولهم " نصب بأنه خبر (كل) والاسم (أن قالوا)، وانما اختير ذلك، لان ما بعد الايجاب معرفة، فهو أحق بأن يكون الاسم، كقول الشاعر:
وقد علم الاقوام ما كان داء ها
بثهلان إلا الخزي ممن يقودها(3)
---
(1) سورة الاسرى آية: 29.
(2) سورة الفرقان آية: 67.
(3) سيبويه 1: 24 ولم ينسبه . يصف كتيبة منهزمة يقول: لم يكن سبب انهزامها الا جبن من يقودها، فجعل الخزي كناية عن الجبن.
صفحة ١٠