أوضح التفاسير
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الإصدار
السادسة
سنة النشر
رمضان ١٣٨٣ هـ - فبراير ١٩٦٤ م
مناطق
مصر
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تقدس وتنزه (انظر آية ﷺ من سورة الإسراء) ﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾
ويتمنون لأنفسهم الذكران الذين يشتهونهم؛ ذلك لأنهم
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى﴾ ولدت له ﴿ظَلَّ﴾ صار وبقي ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ من الحزن والغم الذي اعتراه ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوء حنقًا وغيظًا
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ خجلًا ﴿مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ مما لا يريده ولا يرغب فيه. ومن عجب أن هذا شأن بعض الجهال والسفهاء في هذه الأيام؛ وقد تكون الأنثى خيرًا من الذكر عاقبة؛ وأتقى وأنجب؛ وما يرسل ربك الإناث إلا بقدر، ولا يرسل الذكران إلا بسبب ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ الذي ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي أيمسك ذلك المولود الأنثى على ذل وهوان ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ وهوالوأد. وقد كانوا يدفنونهن أحياء؛ خشية ما يتوهمونه من عار وفقر غير محققين (انظر آية ٨ من سورة التكوير) ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء هذا الحكم الذي يحكمونه، على شيء لا يعلمونه وهم بفعلهم هذا لا يؤمنون بالآخرة؛ ولو آمنوا بها ما فعلوا فعلتهم هذه
﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي صفة السوء: وهو الجهل، والكفر (انظر مبحث التعطيل بآخر الكتاب) ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ الصفة العليا، والمثل الكاملة؛ التي لا يتصف بها المخلوقون: فاتصافه تعالى بالعلم والكرم؛ ليس كاتصاف سائر البشر بهما؛ إذ أن علم البشر وكرمهم محدودان. وعلمه تعالى وكرمه لا يحد. واتصافه جل شأنه بالكبرياء والجبروت؛ ليس ككبرياء البشر وجبروتهم؛ إذ أن تكبرهم وتجبرهم مذموم مؤاخذ عليه، وكبرياؤه تعالى وجبروته لازمة من لوازم ربوبيته ووحدانيته، فإذا ما استطاع إنسان أن يفهم الكمال الإلهي حق الفهم: ازداد ب الله معرفة، ومنه قربًا والتعرف إليه تعالى يحتاج إلى استعداد مخصوص فكلما ازداد تمسك العارف ب الله بأهداب الفضائل الإنسانية؛ التي أمر بها الشرع، وحث عليها الدين نما حبه لله، وأحبه الله
وإنه مما لا شك فيه أن الإنسان الكريم: أحسن فهمًا، وأصدق عبادة، وأرق قلبًا من البخيل. وكذلك الإنسان الرحيم: أشد خوفًا لله من القاسي. والصبور: أكثر إيمانًا من الأحمق النافد الصبر. والعالم: أشد معرفة من الجاهل.
وهكذا كلما ازداد الإنسان تعلقًا بالفضائل والمثل العليا: كان أكثر محبة لله، وأكبر معرفة به،
⦗٣٢٧⦘ وأشد قربًا منه وأمكنه بواسطة هذه الطاقات والإمكانيات أن يتذوق الحب الإلهي ويستشعر ما أعده الله تعالى له من نعيم مقيم؛ فيظل طوال حياته سعيدًا بإيمانه، سعيدًا بقربه، سعيدًا بحبه لأنه علم علم اليقين: أن ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ وأنه جل شأنه: الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر، الجبار المتكبر، الخالق الرازق، المعطي المانع، الخافض الرافع؛ الذي لا إله إلا هو ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه، الغالب الذي لا يغلب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه؛ المدبر لأمورهم
1 / 326