946

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر من جزاء أهل الحسنات في الدنيا أنه درجات الجنات في العقبى بقوله تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } [النحل: 30] أي: من أحسنوا أعمالهم بالصالحات وأخلاقهم بالحميدات، وأحوالهم بالانقلاب عن الخلق إلى الحق { حسنة } أي: من الله له أن ينزل منازل الواصلين الكاملين في الدنيا { ولدار الآخرة خير } [النحل: 30] أي: خير لهم حين كشف عنهم غطاء صورة البشرية عند مفارقة الأجسام وارتفاع بقايا حجب نفوسهم فأكرمهم الله وأمنهم وبقوله: { ولنعم دار المتقين } [النحل: 30] يشير إلى أن للأتقياء الواصلين دارا غير دار الدنيا ودار الآخرة وأنهم فيها، كما صرح بقوله تعالى:

إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر

[القمر: 54-55] فدارهم مقعد الصدق في مقام العندية ونعم الدار بقوله: { جنات عدن يدخلونها } [النحل: 31] أي: الأتقياء { تجري من تحتها الأنهار } [النحل: 31] يشير إلى أن من الأتقياء من مشيئته الجنة ونعيمها ومن مشيئته العبور على الجنة والخروج إلى مقعد الصدق في مقام العندية فقال لهم: { لهم فيها ما يشآؤون } [النحل: 31] أي: ما يختارون من الجنة ومقعد الصدق { كذلك يجزي الله المتقين } [النحل: 31] كل طائفة منهم على حسب همته ومشيئته.

ثم وصف الأتقياء فقال: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } [النحل: 32] أي: طيبي الأعمال عن دنس الشهوات والمخالفات، وطيبي الأخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبيعيات دون الشرعيات، وطيبي الأحوال عن وصمة ملاحظات الكونين لما يتخطى يد الثقلين { يقولون } [النحل: 32] الملائكة { سلام عليكم } [النحل: 32] أي: يبلغون إليهم سلام الله، ثم يشير بقوله: { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [النحل: 32] إلى أن دخول الجنة للأتقياء جزاء إصلاح أعمالهم، والعبور عليها جزاء إصلاح أخلاقهم، والخروج إلى المقعد الصدق جزاء إصلاح أحوالهم، فكل متق مقام بحسب معاملته مع الله.

وبقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [النحل: 33] يشير إلى خواص الأتقياء أن مقامهم في الجنة لا يكون لحظوظ النفوس ولا للإقامة فيها، وإنما وقوفهم فيها لانتظار إتيان الملائكة لجواز العبور عليها فإنهم دخلوا بجوارهم فينظرون أن تاتيهم الملائكة { أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33] أي: جذبات الحق للوصول والخلوة التي لا يسعهم فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين بقي عند جبريل في سدرة المنتهى وعبر بالرفرف إلى قرب قاب قوسين، وبقى الرفرف ثمة فكان ينتظر أمر ربه بقوله تعالى: " ادن مني " فجذبة الأمر أنزله مقام أو أدنى، ثم قال: { كذلك فعل الذين من قبلهم } [النحل: 33] من الأنبياء والأولياء انفصلوا عما سوى الله ليتصلوا به اتصالا بلا انفصال.

ثم أخبر عن حال المسرفين الظالمين محرومي هذه المقامات والكرامات، فقال: { وما ظلمهم الله } [النحل: 33] بجريان الاستعداد الذي أكرم به أولياءه، ثم كلفهم بما كلف به أولياءه { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [النحل: 33] باستعمال استعدادهم في غير موضعه وهو صرفه في طلب الدنيا وشهواتها، واستيفاء لذاتها والاستهزاء بالأنبياء والأولياء ودعوتهم ونصحهم { فأصابهم سيئات ما عملوا } [النحل: 34] فازدادوا كفرا ونفاقا واستهزاء { وحاق بهم } [النحل: 34] أي: بإفساد استعدادهم { ما كانوا به يستهزئون } [النحل: 34].

[16.35-37]

{ وقال الذين أشركوا } [النحل: 35] لهذا المعنى بالاستهزاء { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا } [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله { ولا حرمنا من دونه من شيء } { نحن ولا آباؤنا } [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله ولا حرمنا من دونه من شيء؛ أي: ما حرمنا على أنفسنا نعمة طلب الله بطلب غيره هذا كلام حق أريد به باطل { كذلك فعل الذين من قبلهم } [النحل: 35] أهل الأهواء عبدوا أهواءهم واتخذوا إلههم وأمالوا التقصير إلى الله، فهل على الله إلا أن يرسل الرسل، وينزل الكتب فيأمرهم بالتبليغ والإنذار والتبشير { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } [النحل: 35] أي: بلاغ يبين لهم طريق السير إلى الله ويهديهم إلى صراط مستقيم.

ثم أخبر عن بعثه الرسل وهداهم إلى السبيل بقوله: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36] إشارة إلى أن شريعة الأنبياء - عليهم السلام - إلى الخلق بأن يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى، وما يعبدون من دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة عن شوائب الرياء والسمعة وكيفية الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين إلى حضرة الجلال.

كما قال بعضهم: خطوتان وقد وصلت فالخطوة الأولى: عبادة الله بالتوحيد وهو التوجه إلى الله بالكلية طلبا وشوقا ومحبة، والثانية: الخروج عما سوى الله بالكلية صدقا واجتهادا بليغا؛ لينالوا ما نال من قال لربه: " كلي لكلك مشغول " ، فقال: " كلي لكلك مبذول ".

صفحة غير معروفة