932

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[البقرة: 30] لأنهم نظروا إلى شخصه وهيكله ولم يشاهدوا اختصاصه بإضافة روحه إلى حضرته، وخلقته بيده، واستقامة تساوي قالبه

في أحسن تقويم

[التين: 4] وتعليم الأسماء والإشراف على الغيوب بأنوار القلوب، فما زاد على ما تولد من إنسانية فهو من نتائج تعليم الأسماء واختصاصه بالإضافة والنفخة وغيرها من المواهب { وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } [الحجر: 28] أي: من هذا الصلصال الذي شاهد نموه وطعنتم فيه: { فإذا سويته } [الحجر: 29] بجعله قابلا لنفختي وللروح المضاف إلي { ونفخت فيه من روحي } يشير بتشريف هذه الإضافة إلى اختصاص الروح بأعلى المراتب من الملكوت الأعلى وكمال قربه إلى الله، كما قال:

ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

[ق: 16] وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه شرف بهذا التشريف وخص به من سائر المخلوقات { فقعوا له ساجدين } [الحجر: 29] وذلك لأن الروح لما أرسلت من أعلى مراتب القرب بنفخة الحق تعالى إلى أسفل سافلين القالب كان عبورها على الروحانيات والملائكة المقربين، وهم خلقوا من النور فاندرجت أنوار صفاتهم في نور صفاتها كما تندرج أنوار الكواكب في نور الشمس، ثم عبر على الجن والشياطين فاتخذ زبدة خواص صفاتهم، ثم عبر على الحيوانات فاستفاد منهم الخواص والقوى، ثم تعلق القالب بالمخلوق بيد الله بالتخمير وقهره المستعد لقبول التجلي، فلما خلق الله آدم تجلى فيه، قال لأهل الخطاب وهم الملائكة والجن: { فقعوا له ساجدين } [الحجر: 29] لاستحقاقه كماله في الخلقة ولشرفه بالعلم وقابليته للتجلي.

{ فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [الحجر: 30] لما فيهم من خصوصية العبادة، عبادة النورية واختصاص العلم بقبول النصح { إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } [الحجر: 31] لاختصاصه بالتمرد، تمرد التأدبة والجهل الذي هو مركون فيه ولحسبانه أنه عالم إذ قال له ربه: { يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين } [الحجر : 32] أي: ما حجتك في الامتناع عن السجود؟ { قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } [الحجر: 33] أي: حجتي أنك خلقتني من نار وهي جوهر لطيف نوراني علوي وخلقته من طين وهو كشف ظلماني سفلي، فأنا خير منه بهذا الدليل.

فاستدل بهذا الاستدلال لرأي آدم ينبغي أن يسجد له لفضله عليه، ومن غاية جهالته وسخافة عقله فهم من بين كلامه إن الله أخطأ فيما أمره وأمر الملائكة بسجود كرم، وحسب أن الله تعالى جعل استحقاق آدم السجود للملائكة في بشرية آدم وخلقته من الطين وهو بمعزل عما جعل الله استحقاقه للسجود في سر الخلافة المودعة في روحه المشرف بشرف الإضافة إلى حضرته المختص باختصاص نفخة العلم بالأسماء كلها المستعد لتجلي جماله وجلاله فيه.

ومن هاهنا قيل لإبليس أنه أعور؛ لأنه كان بصيرا بإحدى عينيه التي يشاهد بها بشرية آدم، وما أودع فيه من الصفات الذميمة الحيوانية السبعية المؤذية المتولد منها الفساد وسفك الدماء، وإنه كان أعمى بإحدى عينيه التي يشاهد بها سر الخلافة المودعة في روحانيته، وما أكرم به من علم الأسماء والنفخة الخاصة وشرف الإضافة إلى نفسه وغير ذلك من الاصطفاء والاجتباء.

[15.34-48]

فلما أبى السجود متعللا بهذه العلامات { قال فاخرج منها } [الحجر: 34] أي: من صورة الملائكة وصفاتها { فإنك رجيم } [الحجر: 34] أي: غاية البعد { وإن عليك اللعنة } [الحجر: 35] مطرودا مردودا من قرب الجوار بالنار { إلى يوم الدين } [الحجر: 35] وهو يوم الجزاء وإنجاز الوعد بالوفاء، وفيه أيضا إشارة إلى أن إبليس النفس مأمور بسجود آدم الروح ومن دأبه وطبعه الإباء عن طاعة الله والاستكبار على خليفة الله والامتناع عن سجوده وذلك في بذر خلقتها على

صفحة غير معروفة