671

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[البقرة: 285]، فأخذ مواثيقهم

ألا تعبدوا إلا إياه

[الإسراء: 23]، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب العزة، وفي آذانهم وقر العزة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئدتهم ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة: { قالوا بلى } أنت ربنا سمعا كرها، فأخذ مواثيقهم على العبودية؛ فلهذا يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والإيمان؛ أي: تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية، فافهم جدا.

ثم اعلم أننا لا نجد الله تعالى ذكر أنه كل أحدا وهو بعد في العدم إلا بني آدم، فإنه كلمهم وهم غير موجودين، فأجابوه وهم معدومون، فجرى بالجود في الوجود ما جرى إلا الوجود، فهذا بدايتهم وإلى هذا ينتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى هو سمعهم وأبصارهم وألسنتهم، كما قال تعالى:

" كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق "

، وإلى هذا أشار الجنيد - رحمه الله - حين سئل ما النهاية، وإنما أخذ الله عنهم هذا الميثاق في هذه البداية .

{ أن تقولوا يوم القيامة } [الأعراف: 172]؛ أي: لا تقولوا، { إنا كنا عن هذا غافلين } [الأعراف: 172]؛ أي: كما أغفل عن هذه المرتبة البرية كلها، { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل } [الأعراف: 173]؛ أي أشركوا بأن رضوا الأثنينية، وما رجعوا إلى الوحدة بالفناء في الله، { وكنا ذرية من بعدهم } [الأعراف: 173] مقتديا بهم؛ لأنا استخرجنا الذرية من ظهور آبائهم لهذا الميثاق؛ لئلا يقولوا { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } [الأعراف: 173] الذي أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة، { وكذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 174]؛ أي: نبينها، والآيات تدلك على الرجوع إلى الله تعالى، { ولعلهم يرجعون } [الأعراف: 174] بهذه الآيات التي شرحناها عن البداية إليها في النهاية وهو مقام الوحدة تفهم إن شاء الله تعالى.

[7.175-179]

ثم أخبر عمن أبطل الاستعداد الفطري، وانسلخ من الآيات بقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } [الأعراف: 175] إلى قوله تعالى: { فأولئك هم الخاسرون } [الأعراف: 178] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } الإشارة إلى من خصه الله تعالى بآياته وهي: الكتاب والحكمة والكرامات والمعجزات، وهي مخصوصة للأنبياء والأولياء، ثم وكله إلى نفسه فمن خاصته نفسه الأمارة بالسوء أن تنسلخ منها بأن تميل إلى الدنيا وزخارفها وشهواتها، ويتبع هواها في طلب المال والجاه والقبول والشهرة والرئاسة، فلما وقع فرغ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته أدركته؛ فغره الشيطان وجعله من الهالكين الضالين عن الحق وطلبه؛ ليعلم أن المعصوم من عصمه الله تعالى، كما قال - عز وجل - في يوسف عليه السلام:

ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه

صفحة غير معروفة