587

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[الصافات: 99]، { ولا أخاف ما تشركون به } [الأنعام: 80]، بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق { إلا أن يشآء ربي شيئا } [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه { وسع ربي كل شيء علما } [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان { أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان.

ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله وعذابه، كما كان حال الكفار يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال إبراهيم عليه السلام: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام : 81] من جماد { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } [الأنعام: 81]، جمادا { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلها إلا الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تخافون وتشركون به جمادات لا سلطان لها ويخافونها { فأي الفريقين أحق بالأمن } [الأنعام: 81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ويخافون ويرجون غيره { إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81]، الحق من الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق أجابهم وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: " أما إليك فلا " { أولئك لهم الأمن } [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول { وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، إلى الوصال.

[6.83-84]

ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على قومه } [الأنعام: 83]، إلى قوله:

ما كانوا يعملون

[الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: { وتلك } أي: إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه بذاتها من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه { نرفع درجت من نشآء } [الأنعام: 83]، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية { إن ربك حكيم } [الأنعام: 83]، فيما يرفع من يشاء بجذبات { عليم } [الأنعام: 83]، بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا } [الأنعام: 84]، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ويعقوب عليهم السلام لما وهبناها له ولعل تأخر ذكر إسماعيل عن ذكر إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمدا صلى الله عايه وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعا لوجوده فما جعل الله تعالى إسماعيل عليه السلام تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعا لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه السلام وبعده وجودا وهداية، كما قال تعالى: { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } [الأنعام: 84]، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحدا معنا وهبنا لهذه الذرية وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم.

[6.85-90]

ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.

ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.

ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.

صفحة غير معروفة