555

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه

[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:

ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.

ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.

[5.116-120]

ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:

صفحة غير معروفة