534

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].

[5.41]

ثم أخبر عمن جعله مظهر قهره بقوله تعالى: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [المائدة: 41]، والإشارة أن الله تعالى لما أقصى الكفار وأهل الشقاوة عن محل القرب وأرخى لهم عنان الإمهال للتعذيب حتى يسارعوا في بوادي البوار، وما هو في أودية الضلالة أمر رسوله بترك المبالاة بأمثالهم وقلة الاهتمام، وقال: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } [المائدة: 41]، يعني: الذين دخلت كلمة الإيمان في أفواههم ولم يدخل نور الإيمان في قلوبهم ولم تخرج ظلمة الكفر منها { ومن الذين هادو } [المائدة: 41]، أي: تابوا ظاهرا { سماعون للكذب } [المائدة: 41]، أي: يصفون كذبات النفس في هواجسها { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } [المائدة: 41]؛ أي: يسمعون هذه الكذبات ويعملون ويسنون السنن السيئة لقوم آخرين من أمتك لم يأتوك بعد { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } ، اي: يغيرون قوانين الشريعة ويبدلونها بتمويهات الطبيعة { يقولون } [المائدة: 41]، لرفقائهم من أهل الطبيعة ومن أضلهم عن جادة الشريعة { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } [المائدة: 41]؛ يعني: إن أوتيتم أرباب الشريعة مثل مقالاتنا ومعتقداتنا تناسب محالاتنا، فاقبلوا وإلا فاحذروا، وعما تقولوا من القرآن والأحاديث هذا حال أرباب الدعاوى العواري عن المعاني من المتفلسفة والإباحية، فقد أزلهم الشيطان عن الصراط المستقيم وأضلهم عن الدين القويم، وأوقعهم في الزلات والشبهات، فيؤولون القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ويقرون بآرائهم فعرف الله تعالى نبيه أنهم معزولون عن رحمته محتجبون بعزته، وإن من رؤية القسمة الأزلية والعزة الصمدية لا يفيده اهتمام المهتمين ولن ينفعه الشافعون.

{ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } [المائدة: 41]، يعني: من أوثقه الله تعالى بالخذلان وأغرقه في الحرمان فليس إلى الأغيار حياته، ولا إلى الأغيار نجاته { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } [المائدة: 41]، يعني: أولئك الذين جبلوا على نجاسة الشرك، وما اقتضت الإرادة الأزلية والحكمة الإلهية أن يطهروا بماء إصابة النور إذا رش عليهم في بدء الخلقة من نجاسة ظلمة الشرك قلوبهم، ويقال من يروا الله فتنته من أرسل إليه غائمة الهوى، وسلط عليه نوازع المنى فأنى له بسوط القضاء فليس بلقاء غير الشقاء { لهم في الدنيا خزي } [المائدة: 41]، أي: في بدء الأمر من إخطاء النور المرشش { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 41]، من لقاء العلي العظيم فلا يدري أي: حالتيهم أقرب إلى استجلاب الذل وبدايتهم في الخذلان أم نهايتهم في الحرمان.

[5.42-44]

{ سماعون للكذب أكالون للسحت } [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم.

{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إن الله يحب المقسطين } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.

ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { ومآ أولئك بالمؤمنين } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم

[النساء: 65]، ثم قال { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } [المائدة: 44]، كما أرسلناك هاديا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورا، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: 44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال:

صفحة غير معروفة