1544

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[79.37-46]

{ فأما من طغى } [النازعات: 37] بآيات أمر اللطيفة { وآثر الحياة الدنيا } [النازعات: 38]؛ أي: اختار اللذة العاجلة على اللذة الآجلة { فإن الجحيم هي المأوى } [النازعات: 39]؛ لأنه آوى في الدنيا وسط جحيم الهوى، فاليوم أيضا إذا برزت الجحيم وكشف أستارها شاهد نفسه في وسطها، وطالع جزاء الأعمال الفاسدة فيها المدخرة فيها، { وأما من خاف مقام ربه } [النازعات: 40] في الدنيا { ونهى النفس عن الهوى } [النازعات: 40] ومنع نفسه عن التورط في جحيم الهوى، { فإن الجنة هي المأوى } [النازعات: 41]؛ لأنه كان في الدنيا آوى نفسه في جنة القلب بتركه ما اشتهت على وفق الهوى.

{ يسألونك عن الساعة } [النازعات: 42] وهي قيامة القلب { أيان مرسها } [النازعات: 42]؛ يعني: متى ظهورها؟ { فيم أنت من ذكرها * إلى ربك منتههآ } [النازعات: 43-44]؛ أي: منتهى الساعة إلى الرب؛ يعني: منتهي إلى الرب تلك الساعة الممدود سويعاتها من أسرار مطلع القرآن؛ يعني: انتهاؤها إلى ربها؛ أي: لا تعلمها والله أخفاها لحكمة إظهارها لا يجوز قبل أوانها، وهي أيضا تتعلق بحد القرآن، { إنمآ أنت منذر من يخشها } [النازعات: 45]؛ يعني: لست أنت مطلعا على علم الساعة بل أنت منذر من يخشى الساعة { كأنهم يوم يرونها } [النازعات: 46]؛ أي: كأن السائلين { يوم يرونها } [النازعات: 46] يوم يشاهدون تلك الساعة { لم يلبثوا } [النازعات: 46] في الدنيا { إلا عشية أو ضحها } [النازعات: 46]؛ يعني: عشية استراحة القوى أو ضحى الكسب بها.

فيا أيها المنتظر للساعة لو تشاهدها لم تلبث ساعة في قالبك للاستراحة أو الكسب، وتسارع إلى حضرة الرب فلا ينفع للسالك في هذا المقام إلا التوجه الكلي، ولو لم يكن توجهه إلى الحق في الأعمال بل كان توجهه إلى جنة مشتهيات النفس في دار البقاء لا ينخرط في تلك الساعة في سلك إلا بالهمة.

اللهم ارفع همتنا واصرف توجهنا من أعمالنا إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم.

[80 - سورة عبس]

[80.1-20]

أيها المعبس في وجه أصحابه المعرض بوجهه عن الطلاب أما تقرأ فصل الخطاب وما تفهم العتاب الذي أدرج رب الأرباب في طي الكتاب المستطاب المنزل على نبيه سيد الأحباب حيث قال: { عبس وتولى * أن جآءه الأعمى } [عبس: 1-2] فينبغي أيتها اللطيفة المبلغة إذا جاءك طالب من قوى النفس التي عميت عيناها بالهوى ويطلب منك الهدى أن تغتنم مجيئها، وتقبل بوجهك عليها وترشدها إلى سبيل الهدى، { وما يدريك لعله يزكى } [عبس: 3]؛ أي: يتطهر من الباطل بتعليمك إياه وبقي لك ثواب الدلالة والتعليم { أو يذكر فتنفعه الذكرى } [عبس: 4]؛ أي: يتعظ بوعظك فتنفعه الموعظة، وأنت جئت إلى هذا العالم لينتفع بك الآخر.

{ أما من استغنى } [عبس: 5] عن الوعظ وعن استماع الحق { فأنت له تصدى } [عبس: 6]؛ يعني: تقبل بوجهك إليه وتصغي إلى كلامه، وهو في الأنفس القوى الشريفة القالبية والنفسية تقبل اللطيفة عليها ليعطي حظها رجاء أن تقبل منها الحق، { وما عليك ألا يزكى } [عبس: 7]؛ يعني: ما عليك إلا البلاغ، فإن لم يزك ما عليك ذنب، { وأما من جآءك يسعى } [عبس: 8]؛ أي: القوى الضعيفة الطالبة { وهو يخشى } [عبس: 9] من الله ويسعى إليك؛ لترشده إلى سبيل الحق وطريق النجاة، { فأنت عنه تلهى } [عبس: 10]؛ أي: أنت تشتغل عنه باشتغالك بالأشراف.

{ كلا } [عبس: 11] كلمة جاءت على سبيل الزجر؛ أي: أنت عن مثل هذا الفعل { إنها تذكرة } [عبس: 11]؛ يعني: هذه الموعظة والعتاب موعظة للمرشدين ليغتنموا مجيء المسترشدين، ويشتغلوا بإرشادهم ما ينزه على نفوسهم، ومنعه للطالبين ليجتهدوا في الطلب إذ اعلموا أن الله عاتب حبيبه لأجلهم، { فمن شآء ذكره } [عبس: 12]؛ أي: من كان سعيدا اتعظ به، واجتهد في طلبه كان بمشيئة الله المسطورة.

صفحة غير معروفة