التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ أفمن كان على بينة من ربه } [محمد: 14] بإراءته آياته في الآفاق وفي نفسه، عند تصفية مرآة قلبه عن صدأ أخلاقه الذميمة النفسانية، فيكاشفه شواهد الحق معانيه، { كمن زين له } [محمد: 14] بتسويلات النفس، وإلقاء الشيطان وتزينه { سوء عمله } [محمد: 14] بالبدعة ومخالفة الشرع، { واتبعوا أهواءهم } [محمد: 14] في العقائد القلبية والأعمال القالبية.
وبقوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار } [محمد: 15]، يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق، الذين هم على بينة من ربهم، التي وعد من اتقى بربه عما سواه فيها أنهار { من مآء غير ءاسن } [محمد: 15]، وهو ماء حياة القلوب؛ فإنه لم يأسن بطول المكث، بل يزداد طيبه، { وأنهار من لبن } [محمد: 15]، وهو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها، { لم يتغير طعمه } [محمد: 15] بحموضة الأهواء والبدع، { وأنهار من خمر لذة للشاربين } [محمد: 15]، وهي خمر الشوق والمحبة، كما قال شاربها:
شربت الحب كأسا بعد كأس
فما نفد الشراب وما رويت
{ وأنهار من عسل } [محمد: 15]، وهو عسل الوصال { مصفى } [محمد: 15]، عن كدر الملال بمشاهدة الجمال، منزهة عن المثل والمثال بلا زوال ولا انتقال، فمن الحس عسل اللقاء أنس على الدوام ببقائه، ولم يطلب مع بقائه شيئا آخر لا من عطائه ولا من لقائه؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه، { ولهم فيها } [محمد: 15] في جنة القلوب { من كل الثمرات } [محمد: 15]، التي جنت أرباب الحقائق من شجرة الكلمة الطيبة، { ومغفرة من ربهم } [محمد: 15]، يغفر عنهم ذنب وجودهم، { كمن هو خالد في النار } [محمد: 15]؛ أي: مثل أرباب اللقاء - كما مر ذكرهم - كمثل أصحاب الشقاء وخلودهم في نار الجفاء، { وسقوا مآء حميما } [محمد: 15] من عين الهجران بكأس الخذلان { فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] من الحرمان.
[47.16-19]
ثم أخبر عن وفاق أهل النفاق بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا } [محمد: 16]، يشير إلى أهل الأهواء، الذين هم بمعزل عن السمع الروحاني، إذا طبع الله على قلوبهم بكفرهم، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم، فلا يسمعون دعوة الحق ولا يفهمون، لو يستمعون إليه بسمع الظاهر؛ لأنهم كما قال تعالى: { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم } [محمد: 16]، فضلوا عن سبيل الله.
{ والذين اهتدوا } [محمد: 17] إلى طريق الحق، فاستمعوا إلى دعوة الحق { زادهم هدى } [محمد: 17] في طلب الحق، { وآتاهم } [محمد: 17] ربهم { تقواهم } [محمد: 17]، وهو الاتقاء بالله عما سواه، بل اهتدوا بأنواع المجاهدات، فزادهم هدى بأنوار المشاهدات { فهل ينظرون إلا الساعة } [محمد: 18]؛ أي ساعة الوصال { أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها } [محمد: 18]، وهي غلبات الشوق وصدق الطلب؛ فإنه من شرط الوصال كما قال:
" ألا من طلبني وجدني "
، { فأنى لهم إذا جآءتهم } [محمد: 18]، ساعة الوصال { ذكرهم } [محمد: 18] ببقاء الوجود؛ لأنه من كمال كشف الحقيقة.
صفحة غير معروفة