التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
كما قال السري: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب، { ربنا اكشف عنا العذاب } [الدخان: 12]، عذاب الحجاب { إنا مؤمنون } [الدخان: 12]، بأنك قادر على رفع الحجاب وإرجائه، ومن أمارات إرخاء الحجاب بدخان البشرية: مخالفة سفراء قلوبهم من الخواطر التي ترد من الحق عليهم، حتى عوقبوا في الوقت بما لا يتبع له وسعهم، فإذا اخذوا في الاستغاثة يقال لهم: { أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول } [الدخان: 13]، من يوأده الحق { مبين } [الدخان: 13]، بإلهام تقواهم وفجورهم، { ثم تولوا عنه } [الدخان: 14]، وخالفوه { وقالوا معلم مجنون } [الدخان: 14]؛ أي: خاطر شيطاني، { إنا كاشفوا العذاب } [الدخان: 15]، عن صورتهم في الدنيا { قليلا إنكم عآئدون } [الدخان: 15]؛ لأن جميع الدنيا عندنا قليل، ولكن { يوم نبطش البطشة الكبرى } [الدخان: 16]، تورثهم حزما طويلا، ولا يجدون في ظلال انتقامنا مقبلا، { إنا منتقمون } [الدخان: 16].
ثم أخبر عن فتن أرباب المحن بقوله تعالى: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول كريم } [الدخان: 17]، يشير إلى أنه تعالى جعل فرعون وقومه فيما فتنهم فداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتعتبر هذه الأمة بهم فلا يصرون في جحودهم كما أصروا، ويرجعوا إلى طريق الرشد، ويقبلوا دعوة رسولهم ويؤمنون بما جاء؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم بعد أن جاءهم رسول كريم طالبهم بإزالة الظلم عن نبي إسرائيل، واستنصر بالله وأظهر الحجة من قبل الله، ثم أمرهم: { أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين } [الدخان: 18].
[44.19-28]
وهم أمانة الله ردوهم إلى: { وأن لا تعلوا على الله } [الدخان: 19]، بإهانة عباد الله واستحقاقهم، { إني آتيكم بسلطان مبين } [الدخان: 19]، من المعجزات الظاهرة الباهرة القاهرة، { وإني عذت بربي } [الدخان: 20]، من شر نفسي { وربكم } [الدخان: 20]، من شر نفوسكم { أن ترجمون } [الدخان: 20]، لشيء من الفتن.
وفيه إشارة أخرى، وهي: أن الله فتن فرعون وقومه، وهم صفات النفس وجاءهم رسول كريم من الخواطر الرحمانية:
أن أدوا إلي عباد الله
[الدخان: 18]؛ أي: بني إسرائيل صفات القلب
إني لكم رسول أمين
[الدخان: 18] عند الحق أؤديهم إليه، { وأن لا تعلوا على الله } بالاعتداء والاستكبار أنى أتيكم من الله سلطان مبين، بدلائل وحجج واضحة وبراهين قاطعة من واردات ترد على القلوب؛ فتعجز النفوس عن تكذيبها.
وبقوله: { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } [الدخان: 21]، يشير إلى مداهنة الروح المسلم مع النفس الكافر؛ وذلك بأن الروح العلوي يدعو النفس السفلية إلى عالم عبودية الله ومراتب قربه، ومن طبيعة النفس الأمارة بالسوء أن تدعو الروح العلوي إلى العالم السفلي، وتدارك البعد عن الحضرة؛ فمن دأب أهل البدايات والمداهنة بين الروح والنفس على شرط أن الروح يقول مع النفس وصفاتها:
صفحة غير معروفة