التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[43.70-76]
ثم أخبر عن منازل أرباب الوصول بقوله: { ادخلوا الجنة } [الزخرف: 70] جنة الوصال { أنتم وأزواجكم } [الزخرف: 70]؛ أي: أمثالكم في الطلب { تحبرون } [الزخرف: 70] في رياض الأنس { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } [الزخرف: 71] من طعام المشاهدات { وأكواب } من شراب المكاشفات، { وفيها ما تشتهيه الأنفس } [الزخرف: 71] أرباب المجاهدات لما قاسوه في الدنيا من الجوع والعطش، وتحملوا وجوه المشاق فيجازون في الجنة بوجوه من الثواب، وأما أرباب القلوب من أهل المعرفة والمحبين فلهم { وتلذ الأعين } [الزخرف: 71] من النظر إلى الله لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم، وبذل الأرواح في الطلب لما عالجوا من أحزانهم لشدة غلبهم، { وأنتم فيها خالدون } [الزخرف: 71]؛ أي: دائمون في لذة الاستغراق، { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } [الزخرف: 72]؛ أي: بما أورثتم بيوتكم في النار لأهل النار، وأورثتم بيوت أهل النار في الجنة، { لكم فيها فاكهة كثيرة } [الزخرف: 73] من أثمار أشجار المعارف { منها تأكلون } [الزخرف: 73] وفي رياض الأنس ينقلبون في يوم، { إن المجرمين } [الزخرف: 74] الذين أبطلوا حسن استعدادتهم الروحانية باستيفاء اللذات وشهواتهم النفسانية الحيوانية { في عذاب جهنم } [الزخرف: 74] صفات النفس { خالدون } [الزخرف: 74] إذ لم يخرجوا منها لحسن الاستعداد حتى أبطلوه.
وبقوله: { لا يفتر عنهم } [الزخرف: 75]؛ يعني: عن الكافرين العذاب يشير إلى أن أهل التوحيد وكان بعضهم في النار ولكن لا يخلدون فيها ويفتر عنهم العذاب بدليل الخطاب، وقد ورد في الخبر أنه يميتهم الحق أمانة أن يخرجهم من النار، والميت لا يحس ولا يألم، وذكر في الآية { وهم فيه مبلسون } [الزخرف: 75]؛ أي: خائبون وهذه صفة الكفار والمؤمنون وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم يعدون أيامهم إلى أن تنتهي أشجانهم، وقال بعض الشيوخ: " إن حال المؤمن في النار من وجه أرواح لقلوبهم من حالهم في الدنيا؛ لأن اليوم خوف الهلاك وغدا يقين النجاة ". ولقد أنشدوا:
غيب السلامة إن صاحبها
متوقع لقواهم الظهر
وفضيلة البلوى ترقب أهلها
عقب الرجاء ودورة الدهر
{ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } [الزخرف: 76] يشير إلى نوع عذر من صفات قهره إلى صفات لطفه كرما منه ورحمة.
[43.77-84]
وبقوله: { ونادوا يمالك ليقض علينا ربك } [الزخرف: 77] يشير إلى أنهم لو قالوا في الدنيا يا مالك بدل قولهم: { يمالك } يسمعوا أنتم تخرجون بدل { قال إنكم ماكثون } [الزخرف: 77]، { لقد جئناكم بالحق } [الزخرف: 78] بالدين القويم فلم تقبلوا إلا من الطبيعة الإنسانية، أن أكثرهم يميلون إلى الباطل وذلك قوله: { ولكن أكثركم للحق كارهون } [الزخرف: 78]، وبقوله: { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } [الزخرف: 79] يشير إلى أن أمور الخلق منتقضة عليهم فلما يتمشى لهم ما دبروه وقلما يرتفع لهم من الأمور شيء على ما قدروه، وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع، وبقوله: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } [الزخرف: 80] خوفهم بسماع أحوالهم وكتابة الملك أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن الله لما كان خوفهم لغير الله ومن علم أن أعماله تكتب علبه ويطالب بمقتضاها قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه.
صفحة غير معروفة