1346

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم اعلم أن العبادات نورانية، والشهوات ظلمانية، ولكن العبد إذا عبد الله بالهوى والطبع تصير عبادته ظلمانية، وإذا جامع زوجته بالأمر على وفق الشرع تصير شهوته نورانية، { قل لله الشفاعة جميعا } [الزمر: 44]؛ أي: هو مالك الشفاعة لا يملكها غيره، إلا في ما ملكه الشفاعة وأذن له فيها، { له ملك السموت والأرض ثم إليه ترجعون } [الزمر: 44]، يشير إلى أن ما في السماوات سماوات القلوب، والأرواح أرض النفوس، والأشباح هو الله مالك ولا يملكه أحد؛ لأنه عبد، ولا ملك لعبد فالعبد وما يملكه لمولاه، وإنما هو عارية عندهم، والعاري مردودة إلى مالكها، ثم كل عبد من العباد يرجع إلى حضرة ربه ويرى أحواله، هل ربح بما أعطي أو خسر عليه؟.

[39.45-47]

وبقوله: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الزمر: 45]، يشير إلى إمارة خسرانهم بأنهم تصرفوا في العارية بغير إذن صاحبها على خلاف أوامره، وفي إمارة خسرانهم { وإذا ذكر الذين من دونه } [الزمر: 45]؛ أي: من دون الله، { إذا هم يستبشرون } [الزمر: 45]؛ وذلك لانحراف مزاج توحيدهم بالتفاتهم إلى ملك الله الذي كان عندهم بالعارية بنظر الخيانة من التملك، فوقعوا عن الصراط المستقيم الواحدة في جهنم الشركة،

ذلك هو الخسران المبين

[الزمر: 15].

{ قل اللهم فاطر السموت } [الزمر: 46] سماوات القلوب والأرواح، { والأرض } [الزمر: 46] أرض النفوس والأشباح، { عالم الغيب } [الزمر: 46] غيب ما يجري في الأرواح والقلوب والنفوس، { والشهادة } [الزمر: 46] شهادة ما يجري على الأشباح، { أنت تحكم بين عبادك } [الزمر: 46] من الأرواح والقلوب والنفوس والأشباح فيما جرى عنهم، وفيما بينهم اليوم بالعفو والفضل والكرم، وتوفيق التوبة والإنابة وإصلاح ذات البين، ويوم القيامة بالعدل والنفقة وانتقام بعضهم من بعض { في ما كانوا فيه يختلفون } [الزمر: 46] بالشرع والطبع.

ثم أخبر عن أحوالهم مع أهوال الآخرة بقوله تعالى: { ولو أن } [الزمر: 47]؛ لكن { للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة } [الزمر: 47]، يشير إلى أن هذه الجملة لا تقبل يوم القيامة لدفع العذاب، واليوم هاهنا يقبل ذرة من الخير، ولقمة من الصدقة، وكلمة من التوبة والاستغفار، كما أنهم لو بكوا في الآخرة بالدماء لا يرحم بكائهم، وبدمعة واحدة اليوم تمحى كثير من دواوينهم، فقال: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47]، وفي سماع هذه الآية حسرة لأصحاب الانتباه، وفي بعض الأخبار أن قوما من المسلمين من أصحاب الذنوب يؤمر بهم إلى النار، فإذا وافوها يقول: مالك من أنتم؟ فإن الذين جاءوا قبلكم من أهل النار وجوههم مسودة وعيونهم زرقاء، وأنتم لستم بتلك الصفة، فيقولون: ونحن لم نتوقع أن نلقاك وإنما ننتظر بأشياء أخرى، قال الله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47].

[39.48-52]

{ وبدا لهم سيئات ما كسبوا } [الزمر: 48] من كفران النعمة، ونسيان الحضرة بالبعد والطرد والهجران، { والذين ظلموا من هؤلاء } [الزمر: 51]؛ يعني: الغفلة، { سيصيبهم سيئات ما كسبوا } [الزمر: 51] بأعمالهم وأخلاقهم، { وما هم بمعجزين } [الزمر: 51] عن مجازاتهم بالخير والشر.

{ أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء } [الزمر: 52] من نعمة الدنيا والآخرة وسعادتهما، { ويقدر } [الزمر: 52] على من يشاء؛ يعني: أمر الدنيا والآخرة يبنى على مشيئته سبحانه وتعالى لا على مشيئة العباد، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } [الزمر: 52] بأن يخرجهم عن مشيئتهم، ويستسلمون لمشيئة الله تعالى وحكمه وقضائه.

صفحة غير معروفة