التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
أما المريدون: فإذا أظلم سحاب الفطرة سكن هيجان إرادتهم، فذلك من الطريق التي عليهم.
وأما الزاهدون: فإذا تحركت عروق الرغبة اهتزت قوة زهدهم وضعف دعائم صبرهم، فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات فتعود فتراتهم قليلا قليلا وتختل رتبة عرفهم وتتهدم دعائم قصدهم، فبداية ذلك من الطريق التي خلق فوقهم.
وأما العارفون: فريثما يظلهم في بعض أي: بينهم وقفة في تصاعد سرهم إلى ساحات الحقائق فيصيرون موقونين وربما يتفضل الحق سبحانه عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذا أو يرفع عنهم ما عاقهم في الطريق، وفي جميع هذا فالحق سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق.
كما قال الله تعالى: { وما كنا عن الخلق غافلين } [المؤمنون: 17] فلمصالح المقبولين وجبر خللهم { وأنزلنا من السمآء } [المؤمنون: 18] سماء العناية { مآء } الرحمة { بقدر } [المؤمنون: 18] أي: بحسب حاله كل واحد منهم { فأسكنه في الأرض } [المؤمنون: 18] أي: في أرض وجودهم، ثم أخرجنا منها ينابيع الحكمة بتأثير نظر العناية { وإنا على ذهاب به لقدرون } [المؤمنون: 18] بالإعراض عنهم، كما أنزلنا من السماء ماء المطر الذي هو سبب حياة الأرضين كذلك من سماء العناية وماء الرحمة فيحيي به القلوب، ويزيل به درن العصاة وآثار ذلتهم، وينبت في أرض قلوبهم فنون أزهار البسط وصنوف الروح.
وبقوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون } [المؤمنون: 19] يشير إلى أن كما ينشئ الفياض بماء السماء ويثمر الأشجار ويجري الأنهار، فكذلك بماء سماء العناية ينشئ شجرة العرفان ويؤتي أكلها من الكشف والعيان ما تتقاصر العبارات عن شرحه ولا تطمع الإشارات في حصره.
{ وشجرة تخرج من طور سينآء } [المؤمنون: 20] وهي شجرة الحق الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات { تنبت بالدهن } [المؤمنون: 20] وهو حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، ومقر هذا الدهن هو الخفي الذي فوق الروح وهو سر بين الله وبين الروح لا تطلع عليه الملائكة المقربون { وصبغ للآكلين } [المؤمنون: 20] أي: وهو إدام لآكلي الكونين بقوة الهمة.
ثم أخبر عن عبرة الخواص والعوام في خلق الأنعام بقوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها } [المؤمنون: 21] يشير إلى أنه كما يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم لبنا خالصا، وفيه عبرة لأولي الأبصار فكذلك من بين فرث الصفات النفسانية وبين دم الصفات الشيطانية لبنا خالصا من التوحيد والمحبة؛ ليسقي به أرواح الصديقين كما قال بعضهم:
سقاني شربة أحيا فؤادي
بكأس الحب من بحر الوداد
وفيها عبرة لأولي الأبصار { ولكم فيها منافع كثيرة } [المؤمنون: 21] من الأخلاق الكريمة الربانية والمعارف العظيمة الرحمانية والشواهد الحقانية العيانية { ومنها تأكلون } حين تبيتون عند ربكم { وعليها } [المؤمنون: 22] أي: على النفوس الحيوانية { وعلى الفلك } أي: فلك القلوب لروحانية { تحملون } في بحر الصفات الربانية.
صفحة غير معروفة