1070

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أعرض عن أحوال أفعاله بقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } [طه: 53] إلى قوله: { من استعلى } [طه: 64] فبقوله: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } [طه: 53] يشير إلى أن الحكمة في خلق الأرض هي أن تكون الأرض مهدا لكم { وسلك لكم فيها سبلا } [طه: 53] أي: لأجلكم لا لغيركم { وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم } [طه: 53-54] به يشير إلى أن السماء والماء والنبات والأنعام كلها مخلوقة لكم ولسد احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات ما خلقتها.

{ إن في ذلك لآيات لأولي النهى } [طه: 54] أي: إن في ذلك التقدير رسالات ودلالات لذوي البصائر أنها خلقت لأجلهم؛ لأنهم كانوا أهل المعرفة، وخلقت المخلوقات فجاء صلى الله عليه وسلم لخلق المعارف كما قال في الحديث الرباني: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " ، وفيه معنى آخر وهو: إن في ذلك الذي مر ذكره ومن السماوات والأرض وما بينهما لآيات بأنه مظهر صفات لطف الحق ومظهر صفات قهره، فإنهم يشاهدون فيه جمال لطفه وجلال قهره ستر الله سترا بستر وإضمارا بإضمار.

قوله: { منها خلقناكم } [طه: 55] أي: من ذرة التراب التي أمر الله تعالى عزرائيل أن يأخذ من جميع الأرض { وفيها نعيدكم } [طه: 55] أي: إلى الموضع الذي أخذ منه { ومنها نخرجكم تارة أخرى } [طه: 55] بعد أن يجعل لكم جسدا مستعدا للبقاء الأبدي، ثم قال: { ولقد أريناه } [طه: 56] يعني: فرعون { آياتنا كلها } [طه: 56] أي: كل آية نهدي بها أهل البصيرة { فكذب } [طه: 56] بها إذ لم يكن أهل البصيرة { وأبى } [طه: 56] ألا يؤمن بها.

{ قال } [طه: 57] أي: فرعون. { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى } [طه: 57] وإنما قال هذا؛ لأنه كان من أهل البصر لا أهل البصيرة، فكان مطرح نظر بصره الدنيا وما فيها، فرأى مجيء موسى لإخراجه من مملكة الدنيا ولو كان ذا بصيرة لرأى مجيئه لإخراجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن نور ظلمات الإنسانية إلى نور الربانية، فلما رأى ببصر الحس المعجزة سحرا قال: { فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } [طه: 58] وإنما طلب الوعد؛ لأن صاحب السحر محتاج في تدبير السحر إلى طول الزمان وصاحب المعجزة لا يحتاج في إظهار المعجزة إلى الوعد { قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } [طه: 59] يعني: يوم عيدهم الذي يجتمع فيه الناس من كل مكان؛ ليكون بمشهد خلق عظيم لعلهم يستجيبون عنهم، فلا ينكرون المعجزة بعد إبطال السحر.

{ فتولى فرعون فجمع كيده } [طه: 60] من السحرة سحرهم { ثم أتى * قال لهم موسى } [طه: 60-61] يعني: السحرة { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } [طه: 61] أي: بإتيان السحر في معرض المعجزة إدعاء بأن الله قد أعطاه مثل ما أعطى الأنبياء من المعجزة { فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } [طه: 61] فيهلككم بوضع السحر موضع المعجزة، فإنه ظلم عظيم لقوله تعالى:

ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب

[الصف: 7] { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } [طه: 62] إلى قوله: { بسحرهما } [طه: 63] أي: يفتنون بأن فرعون وسحرته يقولون: { إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } [طه: 63] من مناصب شيخوختكم ومراتب قبولكم عند العوام { بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } [طه: 63] أي: بصرف وجود الناس عنكم، ويذهبا بأشراف قومكم من الملوك والأمراء والمعارف وأهل الدثور والأموال { فأجمعوا كيدكم } [طه: 64] مكركم وحيلكم في دفع هذه المزاعم { ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } [طه: 64] أي: فإن من غلب ونال علو المرتبة بين الناس.

[20.65-76]

ثم أخبر عن إعزاز أهل الإعجاز وإذلال أهل الضلالة بقوله تعالى: { قالوا يموسى } [طه: 65] إلى قوله: { وذلك جزآء من تزكى } [طه: 76] يشير إلى أن السحرة لما أمروا موسى بالتقديم والتأخير في الإلقاء إذ { قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى } [طه: 65] أعزهم الله بالإيمان الحقيقي حتى رأوا بنور الإيمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقا لا تقليدا، وهذا حقيقة قوله تعالى:

" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ".

صفحة غير معروفة