التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ واتخذ سبيله في البحر عجبا } [الكهف: 63] منا أن نمشي بلا قلب، قال - يعني: المريد-: { ذلك ما كنا نبغ } [الكهف: 64] من قلبي أن نتخذ سبيله في بحر ولاية الشيخ الكامل وتحسر على فوات صحبة الشيخ { فارتدا على آثارهما قصصا } [الكهف: 64] أي: رجع عما كان عليه من تلك الصحبة وعاد إلى ملازمة الخدمة في مرافقة رفيق التوفيق.
{ فوجدا عبدا من عبادنآ } [الكهف: 65] أي: حرا من رق عبودية غيرنا من أحرارنا أي: ممن أحررناهم من رق عبودية الأغيار واصطفيناهم من الأخيار، { آتيناه رحمة من عندنا } [الكهف: 65] يعني: جعلناه قابلا لفيض نور من أنوار صفائنا بلا واسطة، { وعلمناه من لدنا علما } [الكهف: 65] وهو علم معرفة ذاته وصفاته الذي لا يعلمه أحد إلا بتعليمه إياه.
واعلم أن كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد أن يتعلموا ذلك العلم من غير الله فإنه علم صنعة اللبوس ليس من جملة العلم اللدني؛ لأنه يمكن أن يتعلم من لدن غيره يدل عليه قوله:
وعلمناه صنعة لبوس
[الأنبياء: 80] فإن علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود عليه السلام فلا يقال: إنه العلم اللدني؛ لأنه يحتمل أن يتعلم من غير الله تعالى فيكون من لدن ذلك الغير، وأيضا أن العلم اللدني ما يتعلق بلدن الله - جل وعلا - وهو علم المعرفة ذاته وصفاته تعالى.
[18.66-78]
ثم أخبر عن شرائط الصحبة وفوائد الخدمة بقوله تعالى: { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } [الكهف: 66] القصة.
اعلم أن في قوله: { قال له موسى هل أتبعك } [الكهف: 66] إلى أن قال: { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } [الكهف: 78] إشارة إلى أدب أهل الصحبة من المريدين المسترشدين والمشايخ السالكين الهادين ومن شرائطهم في الاقتداء والاستهداء والتربية والهداية، فمن آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه أن يستجيز منه في اتباعه وملازمة صحبته تواضعا لنفسه وتعظيما لشيخه، بعد مفارقة أهاليه وأوطانه وترك مناصبه وأتباعه وإخوانه وأصدقائه كما كان حال موسى عليه السلام إذ قال للخضر: { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } [الكهف: 66] بإرشاد الله لك أي: تعلمني طريق الاسترشاد من الله تعالى بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى، فإن جميع ذلك كان حاصلا له، فإن قيل: فهل مرتبة فوق هذه المراتب الثلاثة؟
قلنا: إن هذه المراتب وإن كانت جليلة، ولكن مجيء جبريل يقتضي الواسطة، وإنزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقي من الله للعبد هو أن يجعله قابضا لفيض نور الله بلا واسطة وذلك بتجلي صفات جماله وجلاله الذي كان مطلوب موسى بقوله:
أرني أنظر إليك
صفحة غير معروفة