والسر وراء إثارة هذا الأمر من قبل أبي السعود أفندي، هو الحقد على المويلحي الذي أصدر جريدة «نزهة الأفكار»، التي نافست مجلته «وادي النيل»، التي كانت تفخر بأنها الجريدة الأدبية الوحيدة في مصر؛ أي إن التنافس في المجال الصحفي كان السبب الأساسي في إثارة هذا الجدل حول من ترجم هاتين المسرحيتين. وما يهمنا من أمر هذا الجدل أن محمد عثمان ترجم مسرحيتين من الإيطالية عام 1870، الأولى بعنوان «لابادوسيت»، والثانية بعنوان «مزين شاويله».
وللأمانة العلمية يجب أن ننبه على أن أبا السعود ذكر كلمة «الظاهر» عندما قال: «والظاهر أن الذي ترجمهما هو حضرة أخينا الفاضل محمد عثمان أفندي.» وهذه الكلمة رغم أنها تفيد الشك، إلا أنها تفيد السخرية والتهكم من قبل أبي السعود بالنسبة للمويلحي. والدليل على ذلك أن عثمان جلال والمويلحي لم يعقبا على هذا الأمر في مجلة «وادي النيل»، أو في أية جريدة أخرى بعد ذلك. وفي عدم التعقيب دليل على صدق ما قاله أبو السعود.
وإذا أخذنا بعكس هذا اليقين، سنجد أن مقدمة المسرحية الأولى، والمنشورة بالجريدة أيضا، تتفق كل الاتفاق مع مقدمات عثمان جلال في كتبه المسرحية،
9
سواء في اللغة والأسلوب أو في المعنى والمضمون. فقد قال في هذه المقدمة: «قد جبل الإنسان على حب الاطلاع على أحوال الأمم الماضية من أمور وقعية وغير وقعية. وكان ذلك لا يدرك إلا بالتواريخ والسير والحكايات. غير أن القول لا يؤدي عين الواقعة كليا. كما أن المشبه لا يعطي حكم المشبه به من كل وجه ما لم يكن تقليدا. والتقليد لا يكون إلا باستعمال أشخاص ينوبون عن رجال الواقعة. وهذه الأحوال لم تكن عندنا بل نظرناها عند غيرنا من الأوروباويين الذين اتخذوا التياترات وجعلوها سببا قويا لتمدن بلادهم. فإن التمدن عبارة عن تربية النفس وتهذيبها باتباع ما يستحسن من الأخلاق. ولا يتم لها ذلك إلا باطلاعها على أخبار الأولين وسير الأمم المتقدمين. وحيث إنها وجدت في بلادنا وكثر الراغبون لها ولم يمنع البعض من الوصول إليها إلا أنها باللغات الأورباوية، وأن بعض المتفرجين يتخذون مترجمين والترجمة الشفاهية في الواقعة الحالية لا تؤدي جل المقصود؛ عزمنا على نقلها بلغتنا حرفا بحرف كي يكون الناظر على بصيرة مما يراه.»
10
ومما سبق يتضح لنا أن محمد عثمان جلال بدأ تعريبه للمسرحيات بصورة عملية في نوفمبر 1870؛ أي بعد عام من افتتاح الأوبرا الذي كان في نوفمبر 1869. وإن دل هذا، فإنما يدل على أن عثمان جلال كان مواكبا في نشاطه المسرحي النظري، كمترجم ومعرب، للنشاط المسرحي العملي في مصر. ومن المحتمل أن المسرحيتين المعربتين، «لابادوسيت»، و«مزين شاويله» كانتا ضمن المسرحيات الممثلة في الأوبرا قبل تاريخ تعريبهما.
وإن لم يقتنع القارئ بكل الأدلة التي أوردناها فيما سبق - رغم وضوحها - لإثبات نسبة تعريب هاتين المسرحيتين لعثمان جلال، فإليه نسوق هذا الدليل الدامغ، أو النص المسرحي المنشور بصورة مبتورة في مجلة «روضة المدارس المصرية» عام 1871، والمنسوب صراحة لمحمد عثمان. (2) اكتشاف النص المجهول
كانت مجلة روضة المدارس تقع تحت إشراف الشيخ رفاعة الطهطاوي، وتصدر من ديوان المدارس، ويباشر تحريرها ابنه علي فهمي رفاعة. وقد صدر العدد الأول منها في 17 / 4 / 1870. وكانت هذه المجلة معرضا للكتب تنشرها على هيئة ملازم أو فصول في قسم خاص بها يسمى قسم الكتب. وفي العدد الثالث من السنة الثانية الصادر في 5 / 5 / 1871 بدأت المجلة في نشر «كتاب النكات وباب التياترات» بقلم محمد أفندي عثمان المترجم بديوان الجهادية. وظلت المجلة تنشر ملازم هذا الكتاب طوال ثلاثة أعداد من 5 / 5 / 1871 حتى 6 / 7 / 1871.
11
صفحة غير معروفة