792

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

الناشر

المكتبة التوفيقية

الجُرْم فيهم. فقال: "لَا أمنعك أنَّ تكرم قومك، ولكن منزلك حيث يسمعون القرآن". وكان من جُرم المُغِيرة فِي قومه أَنه كَانَ أَجيرًا لثقيف، وأنهم أقبلوا من مصر، حتّى إذا كانوا ببُصَاق، عدا عليهم وهم نِيَام فقتلهم، ثمّ أقبل بأموالهم حتّى أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! خَمِّسْ مالي هذا. فقال: "وما نبؤه"؟ فأخبره، فقال: "إنّا لسنا نَغْدِر". وأبى أنَّ يخمّسه.
وأَنزلَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وفدَ ثقيف فِي المسجد، وبنى لهم خِيَامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا النّاس إذا صلّوا، وكأن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا خطب لم يَذْكُر نَفْسَه، فلمّا سمعه وفد ثقيف قَالُوا: يأمرنا أنَّ نشهد أَنَّهُ رَسُول اللَّهِ، ولا يشهد بِهِ فِي خُطبته، فلمّا بَلَغه ذَلِكَ قَالَ: "فإني أول من شهِد أنّي رَسُول اللَّهِ".
وكانوا يَغْدون عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كلَّ يومٍ، ويُخَلِّفون عثمان بْن أَبِي العاص عَلَى رِحالهم، فكان عثمان كلّما رجعوا وقالُوا بالهاجرة، عمد إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فسأله عَنِ الدِّين واستقرأه القرآن حتّى فَقِه فِي الدّين وعَلِم، وكان إذا وجد رَسُول اللَّهِ ﷺ نائمًا عمد إلى أَبِي بَكْر، وكان يكتم ذَلِكَ من أصحابه، فأَعْجَب ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وعَجِب منه وأحبّه.
فمكث الوفد يختلفون إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وهو يدعوهم إلى الْإِسْلَام، فأسلموا، فقال كِنانة بْن عَبْد يَالِيل: هَلْ أنت مُقاضِينا حتّى نرجع إلى قومنا؟ فقال: "نعم، إنْ أنتم أقررتم بالإسلام قاضَيْتُكم، وإلا فلا قَضِيّة ولا صُلْح بيني وبينكم". قَالُوا: فالربا؟ قال: "لكم رءوس أموالكم". قَالُوا: فالخمر؟ قَالَ: "حرام". وتلا عليهم الآيات فِي تحريم هذه الأشياء. فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقالوا: وَيْحكم، إنّا نخاف -إنْ خالفناه- يومًا كيوم مكة. انْطَلقوا نُكَاتِبه على ما سألنا. فأتوه فقالوا: نعم، كل ما سَأَلت. أرأيت الرَّبَّة ماذا نصنع فيها؟ قَالَ: "اهدموها".
قَالُوا: هيهات، لو تعلم الربّة أنّك تريد هدمها قَتَلَتْ أهلها. فقال عُمَر: ويحك يابن عَبْد يَالِيل! ما أحمقك، إنّما الربّة حَجَر. قالوا: إنا لم نأتك يابن الخطّاب. وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَوَلَّ أنت هدمها، فأما نَحْنُ فإنّا لن نهدمها أبدًا. قَالَ: "فسأبعث إليكم من يهدمها". فكاتَبُوه وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أمِّرْ علينا رجلًا يَؤُمّنا.

2 / 386