531

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

الناشر

المكتبة التوفيقية

وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لا يتركه شرفًا له في نفسه وفي وقومه، فَكَانَ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهِ، فَعَزِّرُوهُ وَانْصُرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ. ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى إِذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ وَرَجَعَ، قَامَ يَفْعَلُ كَفِعْلِهِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ ثِيَابَهُ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَقَالُوا: اجْلِسْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ. فَخَرَجَ يتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي قُلْتُ بُجْرًا١ أَنْ قُمْتُ أَشُدُّ أَمْرَهُ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! قَالَ: قُمْتُ أَشُدُّ أَمْرَهُ فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْبِذُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بُجْرًا. قَالَ: وَيْلَكَ ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالُوا: كَانَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ قد قتل ذيادًا، فقتله المجذر بن ذياد، فَهَيَّجَ بِقَتْلِهِ وَقْعَةَ بُعَاثٍ٢. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمَ الْمُجَذَّرُ، والحارث بن سويد بن الصامت، فشهدا بَدْرًا. فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَطْلُبُ مُجَذَّرًا لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَمْرَاءِ الأَسَدِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَتَلَ مجذَّرًا. فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُبَاءَ، فَأَتَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ فِي مِلْحَفَةٍ مُوَرَّسَةٍ٣.
فَلَمَّا رآه دعا عويم بن ساعدة وقال: "اضرب عنق الحارث بمجذر بن ذياد". فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ رُجُوعًا عَنِ الإِسْلامِ وَلَكِنْ حَمِيَةٌ، وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأُخْرِجُ دِيَتَهُ وَأَصُومُ وَأَعْتِقُ. وَجَعَلَ يَتَمَسَّكُ بِرِكَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ كَلامِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قَدِّمْهُ يَا عُوَيْمُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ". فَضَرَبَ عنقه على باب المسجد.

١ بجرًا: البجر: الأمر العظيم.
٢ دارت رحاها بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
٣ ملحفة مورسة؛ أي: مصبوغة بالورس، والورس: نبت من الفصيلة القرنية "الفراشية" ينبت في بلاد العرب والحبشة والهند، ثمرته مغطاة بغدد حمر، يستعمل لتلوين الحرير ونحوه لاحتوائه على مادة حمراء. "المعجم الوجيز" "٦٦٥".

2 / 125