تاريخ الطبري
قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن فولدت له غلاما سماه معد يكرب وكانت ذات جمال فانتزعها الأشرم من أبي مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لي عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الأمر الذي نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنيعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤملين له راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلي الملك من بلاد العرب فعل قال قد علمت أن بلادكم كما وصفت فأي السودان غلبوا عليها الحبشة أم السند قال بل الحبشة قال أنوشروان إني لأحب أن أصدق ظنك وأن تنصرف بحاجتك ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب وأكره أن أغرره بجندي ولي فيما سألت نظر وأنت على ما تحب
وأمر بإنزاله وإكرامه فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى فلما ترجمت له أعجب بها
وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الأشرم غلاما فسماه مسروقا ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة فقال له لعنك الله ولعن أباك وكان معد يكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه فأتى أمه فقال لها من أبي قالت الأشرم قال لا والله ما هو أبي ولو كان أبي ما سبني فلان فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض واقتصت عليه خبره فوقع ذلك في نفس الغلام ولبث بعد ذلك لبثا
ثم إن الأشرم مات ومات ابنه يكسوم فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين فانكفأ راجعا إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فصاح به أيها الملك إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل وقال من أنت وما ميراثك قال أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الذي وعدته أن تنصره فمات ببابك وحضرتك فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى وأمر له بمال فخرج الغلام فجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى ما الذي حملك على ما صنعت قال إني لم آتك للمال إنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى فبعث إليه أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له الموبذان إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته وما تقدم من عدته إياه وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن اصابوا ظفرا كان له وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب
قال كسرى هذا الرأي وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز كان كسرى يعدله بألف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل فركبوا البحر فغرقت من الثماني السفن سفينتان وسلمت ست فخرجوا بساحل حضرموت وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ونزل وهرز على سيف البحر وجعل البحر وراء ظهره فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم فأرسل إلى وهرز ما جاء بك وليس معك إلا من أرى ومعي من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت إلى بلادك ولم أهجك ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه وإن أحببت ناجزتك الساعة وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك وتشاور أصحابك
صفحة ٤٤٧