358

وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر ونفي الذل قالوا وما ذاك قال إني صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الأرض أبصر منها إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإني أخاف أن تنذر القوم ببك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذي ترين قالت أرى رجلا في شجرة ومعه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها فققئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة

وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الأعشى ... كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا ... إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا ... قالت أرى رجلا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا ... فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا ... فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم ... وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ...

ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي ... هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع ... وفتاتهم عنز عشية آنست ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمع ... قالت أرى رجلا يقلب كفه ... أصلا وجو آمن لم يفزع ... ورأت مقدمة الخميس وقبله ... رقص الركاب إلى الصياح بتبع ... فكأن صالح أهل جو غدوة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع ... كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع ... قالت يمامة احملوني قائما ... إن تبعثوه باركا بي أصرع ...

وحسان بن تبع الذي أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة وكسا الكعبة وأه الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمي أجيادا لأن خيله كانت هنالك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلى عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من األأوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السندوسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها وقتل مقاتلتها وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم

ومما كان في أيام ملوك الطوائف وما ذكره الله عز وجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم

صفحة ٣٧١