تاريخ الطبري
قال وذكر غير هشام أن دارا بن دارا لما ملك أمر فبنيت له بأرض الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا وهي التي تسمى اليوم دارا وأنه عمرها وشحنها من كل ما يحتاج إليه فيها وأن فيلفوس أبا الإسكندر اليوناني من أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى احتازها إليها كان صالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة وأن فيلفوس هلك فملك بعده ابنه الإسكندر فلم يحمل إلى دارا ما كان يحمله إليه أبوه من الخراج فأسخط ذلك عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في تركه حمل ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج وغيره وأنه إنما دعاه إلى حبس ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصبا والجهل وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبي وأنه ينبغي له أن يلعب بالصولجان والكرة اللذين بعث بهما إليه ولا يتقلد الملك ولا يتلبس به وأنه إن لم يقتصر على ما أمره به من ذلك وتعاطى الملك واستعصى عليه بعث إليه من يأتيه به في وثاق وأن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه
فكتب إليه الإسكندر في جواب كتابه ذلك أن قد فهم ما كتب وأن قد نظر إلى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها وشبه الأرض بالكرة وأنه محتاز ملك دارا إلى ملكه وبلاده إلى حيزه من الأرض وأن نظره إلى السمسم الذي بعث به إليه كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل وأعلمه في ذلك الجواب أن ما بعث به إليه قليل غير أن ذلك مثل الذي بعث به في الحرافة والمرارة والقوة وأن جنوده في كل ما وصف به منه
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر جمع إليه جنده وتأهب لمحاربة الإسكندر وتأهب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا
وبلغ ذلك دارا فزحف إليه فالتقى الفئتان واقتتلا أشد القتال وصارت الدبرة على جند دارا فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا يقال إنهما كانا من أهل همدان طعنا دارا من خلفه فأردياه من مركبه وأرادا بطعنهما إياه الحظوة عند الإسكندر والوسيلة إليه ونادى الإسكندر أن يؤسر دارا أسرا ولا يقتل فأخبر بشأن دارا فسار الإسكندر حتى وقف عنده فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته حتى حبس عند رأسه وأخبره أنه لم يهم قط بقتله وأن الذي اصابه لم يكن عن رأيه وقال له سلني ما بدا لك فأسعفك فيه فقال له دارا لي إليك حاجتان إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي وسماهما وبلادهما والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك فأجابه إلى الحاجتين وأمر بصلب الرجلين اللذين انتهكا من دارا ما انتهكا وتزوج روشنك وتوسط بلاد دارا وكان ملكه له
وزعم بعض أهل العلم بأخبار الأولين أن الإسكندر هذا الذي حارب دارا الأصغر هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر وأنها ابنة ملك الروم واسمها هلاي وأنها حملت إلى زوجها دارا الأكبر فلما وجد نتن ريحها وعرقها وسهكها أمر أن يحتال لذلك منها فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر فطبخت لها فغسلت بها وبمائها فأذهب ذلك كثيرا من ذلك النتن ولم يذهب كله وانتهت نفسه عنها لبقية ما بها وعافها وردها إلى أهلها وقد علقت منه فولدت غلاما في أهلها فسمته باسمها واسم الشجرة التي غسلت بها حتى أذهب عنها نتنها هلاي سندروس فهذا أصل الإسكندروس
صفحة ٣٣٧