282

حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض العلماء قال قال وهب بن منبه سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه إذا ركب على الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها واستفاء ما فيها وأصاب فيما أصاب ابنة لذلك الملك لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ووقعت نفسه عليها فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فقال لها لما رآى ما بها وهو يشق عليه من ذلك ما يرى ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ قالت إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك قال فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله قالت إن ذلك لكذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما قد ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورة أبي في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين فقال مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه لها فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس مثل ما كان يكون فيه من هيئة ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه وتروح كل عشية بمثل ذلك لا يعلم سليمان بشيء من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا كان سليمان أو غائبا فأتاه فقال يا نبي الله كبرت سني ودق عظمي ونفد عمري وقد حان مني ذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال افعل فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله فاثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان وذكره فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما يكره في صغرك ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملأه غضبا فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر أمري قال إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة فقال في داري فقال في دارك قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثباب الطهرة فأتي بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار ولا تمسها امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد فتمعك فيه بثيابه تذللا لله جل وعز وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره ويقول فيما يقول فيما ذكر لي والله أعلم رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى يبكي إلى الله ويتضرع إليه ويستغفره ثم رجع إلى داره وكانت أم ولد له يقال لها الأمينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه وأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه صخرا في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمي يا أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حالته وهيأته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمي فقالت ومن أنت قال أنا سليمان بن داود فقالت كذبت لست بسليمان بن داود وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون أنظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان بن داود فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما عبد ذلك الوثن في داره فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحا فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت قالوا نعم قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه قال ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا فقلن أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم ثم خرج سليمان بسمكتيه فبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا لله وعكف عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال ائتوني به فطلبته له الشياطين حتى أخذوه فأتى به فجاب له صخرة فأدخله فيها ثم سد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر

حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي في قوله ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ( 1 ) قال الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما قال كان لسليمان مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثر نسائه عنده وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولا يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فجاءته يوما من الأيام فقالت له إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال نعم ولم يفعل فابتلي فأعطاها خاتمه ودخل المحرج فخرج الشيطان في صورته فقال هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت ألم تأخذه قبل قال لا وخرج من مكانه تائها قال ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم وجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا فقرأوا التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر قال وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعمه من صيدهم وقال إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه قال فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه وقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان قال فأعطوه سمكين مما قد ضرب عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام على شط البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بد منه

قال فجاء حتى أتى ملكه فأرسل إلى الشيطان فجيء به وسخرت له الريح والشياطين يومئذ ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( 2 )

وبعث إلى الشيطان فأتى به فأمر به فجعل في صندوق حديد ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق

صفحة ٢٩٥