تاريخ الطبري
أبو مخنف حدثني أبو جناب قال كان منا رجل يدعى عبدالله بن عمير من بني عليم كان قد نزل الكوفة واتخذ عند بئر الجعد من همدان دارا وكانت معه امرأة من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين قال فسأل عنهم فقيل له يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد فقالت أصبت اصاب الله بك أرشد أمورك افعل وأخرجني معك قال فخرج بها ليلا حتى أتى حسينا فأقام معه فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبيدالله بن زياد فقالا من يبارز ليخرج إلينا بعضكم قال فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير فقال لهما حسين اجلسا فقام عبدالله بن عمير الكلبي فقال أبا عبدالله رحمك الله ائذن لي فلأخرج إليهما فرأى حسين رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين فقال حسين إني لأحسبه للأقران قتالا اخرج إن شئت قال فخرج إليهما فقالا له من أنت فانتسب لهما فقالا لا نعرفك ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن حضير ويسار مستنتل أمام سالم فقال له الكلبي يابن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى يرد فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم فصاح به قد رهقك العبد قال فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة فأتقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله وأقبل الكلبي مرتجزا وهو يقول وقد قتلهما جميعا ... إن تنكروني فأنا ابن كلب ... حسبي بيتي في عليم حسبي ... إني امرؤ ذو مرة وعصب ... ولست بالخوار عند النكب ... إني زعيم لك أم وهب ... بالطعن فيهم مقدما والضرب ... ضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت أم وهب امرأته عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد فأقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه ثم قالت إني لن أدعك دون أن أموت معك فناداها حسين فقال جزيتم من أهل بيت خيرا ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن فإنه ليس على النساء قتال فانصرفت إليهن قال وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة فلما أن دنا من حسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين
قال أبو مخنف فحدثني حسين أبو جعفر قال ثم إن رجلا من بني تميم يقال له عبدالله بن حوزة جاء حتى وقف أمام الحسين فقال يا حسين يا حسين فقال حسين ما تشاء قال أبشر بالنار قال كلا إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع من هذا قال له اصحابه هذا ابن حوزة قال رب حزه إلى النار قال فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه وتعلقت رجله بالركاب ووقع رأسه في الأرض ونفر الفرس فأخذ يمر به فيضرب برأسه كل حجر وكل شجرة حتى مات
قال أبو مخنف وأما سويد بن حية فزعم لي أن عبدالله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حتى مات
قال أبو مخنف عن عطاء بن السائب عن عبدالجبار بن وائل الحضرمي عن أخيه مسروق بن وائل قال كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت أكون في أوائلها لعلي أصيب رأس الحسين فأصيب به منزلة عند عبيدالله بن زياد قال فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجل من القوم يقال له ابن حوزة فقال أفيكم حسين قال فسكت حسين فقالها ثانية فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال قولوا له نعم هذا حسين فما حاجتك قال يا حسين أبشر بالنار قال كذبت بل أقدم على رب غفور وشفيع مطاع فمن أنت قال ابن حوزة قال فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال اللهم حزه إلى النار قال فغضب ابن حوزة فذهب ليقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر قال فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها قال فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب قال فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه قال فسألته فقال لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا اقاتلهم أبدا قال ونشب القتال
صفحة ٣٢٢