1268

ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثا جمع أصحابه فقال إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم فتقطعوا وتبددوا ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم وأنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله فخرج بنا من المدائن فقدم بين يديه أبو الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس فأتبع آثارهم فخرج معقل في أثره فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم ويركب الوجه الذي أخذوا فيه حتى عبروا جرجرايا في آثارهم ثم سلك الوجه الذي أخذوا فيه فاتبعهم فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه فقال له بعضهم أقدم بنا عليهم فلنقاتلهم وقال بعضهم والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا ونلقاهم بجماعتنا قال أبو مخنف فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشي أن أباه كان معه يومئذ قال فقال لنا أبو الرواغ إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرني أن أتبع آثارهم فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني قال فقال له جميع أصحابه فالرأي الآن بين تنح بنا فلنكن قريبا منهم حتى يقدم علينا صاحبنا فتنحينا وذلك عند المساء قال فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا فارتفع الضحى وخرجوا علينا قال فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة ونحن ثلثمائة فلما اقتربوا شدوا علينا فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان قال فانهزمنا ساعة ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال يا فرسان السوء قبحكم الله سائر اليوم الكرة الكرة قال فحمل وحملنا معه حتى إذا دنونا من القوم كربنا فانصرفنا وكروا علينا وكشفونا طويلا ونحن على خيل معلمة جياد ولم يصب منا أحد وقد كانت جراحات يسيرة فقال لنا أبو الرواغ ثكلتكم أمهاتكم انصرفوا بنا فلنكر قريبا منهم لا نزايلهم حتى يقدم علينا أميرنا فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى قال فقال رجل منا يجيبه إن الله لا يستحيي من الحق قد والله هزمونا قال أبو الرواغ لا أكثر الله فينا ضربك إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش ولم نرجع عن وجهنا إنه والله لو كان يقال انهزم أبو حمران حمير بن بجير الهمداني ما باليت إنما يقال انهزم أبو الرواغ فقفوا قريبا فإن أتوكم فعجزتم عن قتالهم فانحازوا فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم فإن الجيش آتيكم الى ساعة قال فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى فلما حضرت صلان الظهر نزل المستورد للصلاة واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين ونزل أصحابه فصلوا الظهر وأقاموا رجلين ربيئة وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر ثم إن فتى جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبي الرواغ وكان أهل القرى وعابروا السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذي يأتي من قبله معقل استقبل معقلا فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج فيقول كيف رأيتموهم يصنعون فيقولون رأينا الحرورية تطرد أصحابك فيقول أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلونهم فيقولون بلى يعطفون عليهم وينهزمون فقال إن كان ظني بأبي الرواغ صادقا لا يقدم عليكم منهزما أبدا ثم وقف عليهم فدعا محرز ابن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له تخلف في ضعفة الناس ثم سر بهم على مهل حتى تقدم بهم علي ثم ناد في أهل القوة ليتعجل كل ذي قوة معي اعجلوا إلى إخوانكم فإنهم قد لاقوا عدوهم وإني لأرجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم

صفحة ١٨٦