1210

وأما ما قال في ابتداء أمر محمد بن أبي بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها ابو مخنف فقد تقدم ذكرنا له ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روي من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبي الذي وجهه إليهم محمد بن أبي بكر خرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني فدعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس آخرون وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر فبلغ عليا وثوب أهل مصر على محمد بن أبي بكر واعتمادهم إياه فقال ما لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه عنها يعني قيسا أو مالك بن الحارث يعني الأشتر قال وكان علي حين انصرف من صفين رد الأشتر على عمله بالجزيرة وقد كان قال لقيس بن سعد أقم معي على شرطي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم أخرج إلى أذربيجان فإن قيسا مقيم مع علي على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك بن الحارث الأشتر وهو يومئذ بنصيبين أما بعد فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين وأقمع به نخوة الأثيم وأشد به الثغر المخوف وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للأشياء فاقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام

فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال ليس لها غيرك أخرج رحمك الله فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك فاخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة

قال فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية علي الأشتر فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له إن الأشتر قد ولي مصر فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلىمصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياها فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم إن عليا وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه قال فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر

قال أبو مخنف حدثني فضيل بن خديج عن مولى للأشتر قال لما هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الأرض وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر فلاحق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له واطيعوا فإنه سيف من سيوف الله لا نأبى الضريبة ولا كليل الحد فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا وإن أمركم أن تنفروا فانفروا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم وشدة شكيمته على عدوكم عصمكم الله بالهدى وثبتكم على اليقين والسلام

صفحة ١٢٧