كتاب التأريخ
الناشر
دار صادر
مكان النشر
بيروت
وكتب معاوية إلى عثمان إنك قد أفسدت الشأم على نفسك بأبي ذر فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه فلما دخل إليه وعنده جماعة قال بلغني أنك تقول سمعت رسول الله يقول إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا وعباد الله خولا ودين الله دغلا فقال نعم سمعت رسول الله يقول ذلك فقال لهم أسمعتم رسول الله يقول ذلك فبعث إلى علي بن أبي طالب فأتاه فقال يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر وقص عليه الخبر فقال علي نعم قال وكيف تشهد قال لقول رسول الله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل إليه عثمان والله لتخرجن عنها قال أتخرجني من حرم رسول الله قال نعم وأنفك راغم قال فإلى مكة قال لا قال فإلى البصرة قال لا قال فإلى الكوفة قال لا ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج وعلي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون فلما رأى أبو ذر عليا قام إليه فقبل يده ثم بكى وقال إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم أصبر حتى أبكي فذهب علي يكلمه فقال له مروان إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال تنح نحاك الله إلى النار ثم شيعه فكلمه بكلام يطول شرحه وتكلم كل رجل من القوم وانصرفوا وانصرف مروان إلى عثمان فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلامه فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي
ولما حضرته الوفاة قالت له ابنته إني وحدي في هذا الموضع وأخاف أن تغلبني عليك السباع فقال كلا إنه سيحضرني نفر مؤمنون فانظري أترين أحدا فقالت ما أرى أحدا قال ما حضر الوقت ثم قال انظري هل ترين أحدا قالت نعم أرى ركبا مقبلين فقال الله أكبر صدق الله ورسوله حولي وجهي إلى القبلة فإذا حضر القوم فاقرئيهم مني السلام فإذا فرغوا من أمري فاذبحي لهم هذه الشاة وقولي لهم أقسمت عليكم إن برحتم حتى تأكلوا ثم قضي عليه فأتى القوم فقالت لهم الجارية هذا أبو ذر صاحب رسول الله قد توفي فنزلوا وكانوا سبعة نفر فيهم حذيفة بن اليمان والأشتر فبكوا بكاء شديدا وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه ثم قالت لهم إنه يقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تأكلوا فذبحوا الشاة وأكلوا ثم حملوا ابنته حتى صاروا بها إلى المدينة فلما بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال رحم الله أبا ذر قال عمار نعم رحم الله أبا ذر من كل أنفسنا فغلظ ذلك على عثمان وبلغ عثمان عن عمار كلام فأراد أن يسيره أيضا فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب وسألوه إعانتهم فقال علي لا ندع عثمان ورأيه فجلس عمار في بيته وبلغ عثمان ما تكلمت به بنو مخزوم فأمسك عنه وسير عبد الرحمن بن حنبل صاحب رسول الله إلى القموس من خيبر وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوىء ابنه وخاله وأنه هجاه
وكان عثمان جوادا وصولا بالأموال وقدم أقاربه وذوي أرحامه فسوى بين الناس في الأعطية وكان الغالب عليه مروان بن الحكم بن أبي العاص وأبو سفيان بن حرب وعلى شرطه عبد الله بن قنفذ التيمي وحاجبه حمران ابن أبان مولاه
صفحة ١٧٣