شرح التجريد في فقه الزيدية
قيل له: كان غرضنا أن نبين أن الفعل المأمور به على أوضاعكم خارج عن حد الوجوب، ولم يكن الغرض أن يثبت أنه على التحقيق يكون مباحا، وأكثر ما في هذا الذي أوردتموه أن يكون بصورة التطوع، وهذا لايعصمه من فساد مذهبكم.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن الواجب على ضربين: مخير فيه، ومضيق، فإذا ثبت ذلك، احتاج التضيق إلى الدليل؟
قيل له: قد قدمنا نحن في دليلنا أن الإيجاب يقتضي التضييق، فصار التخيير هو المفتقر إلى الدليل، على أن التخيير إذا احتاج إلى إثبات وجود بدل لم يقتضه لفظ الإيجاب، يكون أولى بالافتقار إلى الدليل من التضييق الذي لايقتضي إلا إيجاب ما أوجبه اللفظ.
ومما يدل على أن وجوب الحج على التضييق ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من مات، ولم يحج، مات ميتة جاهلية )) ، وفي بعض الأخبار: (( فليمت إن شاء يهوديا، أو نصرانيا )) فثبت بذلك أنه يكون عاصيا إذا مات، ولم يحج، فليس يخلو كونه عاصيا من أحد أمرين، إما أن يكون بالموت، وذلك لايجوز؛ لأنه فعل الله في العبد، والعبد لايجوز أن يصير عاصيا بفعل الله تعالى، أو يكون عاصيا بالتأخير، فلما لم يجز أن يصير عاصيا بالموت، لم يبق إلا أن يكون عاصيا بالتأخير، وهذا يقتضي إيجابه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر مناديه بأن ينادي ألا إن رسول الله حاج، فمن أراد الحج، فليحج، فعلقه بالإرادة، فدل ذلك على جواز التأخير.
قيل له: لايمتنع أن يكون المراد به من أراد الحج لوجوبه، وتعليقه بالإرادة لايمنع تضيق الوجوب، كما لايمنع الوجوب.
فإن قيل: لو كان وجوب الحج مضيقا، لم يؤخره النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى سنة عشر، وفي تأخيره وتأخير أصحابه إياه دليل على أن وجوبه على التخيير.
صفحة ٣٠٢