شرح التجريد في فقه الزيدية
فأما إذا نوى التتابع، فلا يجزي إلا متتابعا؛ لأن النية ضرب من الإرادة، وللإرادة مسرح في إيقاع الفعل والقول على وجه دون وجه، إذا كان يصح وقوعه عليه، كما أن العموم لما صلح للاستغراق، وصلح للخصوص، فمتى أريد به الخصوص، وقع خاصا، وكذلك اللفظ المحتمل كقولنا قرء، لما احتمل الطهر، واحتمل الحيض، كان اللفظ لفظا لما هو مراد به من الطهر والحيض، وكذلك القول في المجاز، والحقيقة، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن قول القائل: لله علي أن أصوم عشرين يوما، يحتمل أن يكون عشرين يوما متتابعة، وعشرين يوما متفرقة، وجب أن تصرف النية إلى أحدهما؛ لاحتمالهما جميعا، ولهذا قال أصحابنا: إن النية /143/ في باب الأيمان أوكد من العرف؛ لأنه يقع بها القول على أحد المحتملين(1) على ما بيناه، فإذا قال: لله علي أن أصوم عشرين يوما، ونوى التتابع، صار التتابع كالمنطوق به، كما أنه تعالى لما قال: {اقتلوا المشركين} وأراد الحربيين، صار ذلك كالمنطوق به.
فإن قيل: إذا كان الصوم لا يجب بالنية إذا انفردت عن القول، فيجب أن لا يجب بها التتابع.
قيل له: النية لا مسرح لها في الإيجاب إذا انفردت، ولها مدخل في إيقاع اللفظ على أحد الوجهين الذي يحتملهما على ما بيناه، فلم يمنع أن يقع اللفظ بها على الصوم المتتابع، فيكون الإيجاب في الحقيقة راجعا إلى القول، ويكون تأثير النية في صرفه من وجه إلى وجه.
وقلنا: إن الإيجاب لا يكون إلا بالأقاويل؛ لأن إيجاب ما لم يوجبه الله ابتداء من العبادات، لا يخلو إما أن يكون بالدخول(2) أو بالنية، أو باللفظ الموجب، وقد دللنا أن الصوم لا يجب بالدخول فيه في كتاب الصلاة، ولا خلاف أنه لا يجب بالنية، فلم يبق إلا أنه يجب بالقول، على أنه لا خلاف أن النذر لا يكون إلا بالأقوال.
صفحة ٢٦٣