ومذهب الشافعي أن الماء لا ينجس إذا ورد على النجاسة، وينجس إذا وردت النجاسة عليه، وهذا لا معنى له؛ لأن أكثر ما استدللنا به على أن الماء اليسير ينجس بوقوع النجاسة فيه، يقتضي نجاسة الماء إذا ورد على النجاسة، مثل استدلالنا بقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} واستدلالنا بأن الماء اليسير إذا حصلت فيه النجاسة، ثم شرب أو تطهر به صار النجس مشروبا ومتطهرا به وغير ذلك، فكل ذلك يبين أنه لا فصل بين ورود النجاسة على الماء، وورود الماء على النجاسة.
فإن قيل: لو كان الماء ينجس بوروده على النجاسة، لكان يجب لوروده على أن لا يطهر النجس أبدا، لأنه كان ينجس الماء الوارد على النجاسة، ثم كان الماء الثاني ينجس الماء(1) الأول، ثم كذلك أبدا.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرت، وذلك أن النجاسة والطهارة أمور شرعية، فيجب أن تكون أحكامها بحسب ما تقتضيه الشريعة، وليست أمورا عقلية فيرجع فيها إلى مقتضى العقل، وإذا كان ذلك كذلك، فغير ممتنع أن يرد الشرع بأن الماء إذا ورد على النجاسة نجس الماء، وطهر الموضع، فإذا كان ذلك غير ممتنع، فليس علينا إلا بيان ورود الشرع به.
وقد بينا ذلك بما دللنا عليه، على أنه لا فرق بين ورود النجاسة على الماء، ووروده على النجاسة، يكشف ذلك أن الأمر لو كان في النجاسة والطهارة على ما ذكروا، لوجب في البئر إذا وقعت فيها النجاسة أن لا تطهر أبدا، لأن الماء النجس إذا نزح، فلا شك أنه يترشش على جوانب البئر، فلو كان الأمر بالقياس، لكانت البئر لا تطهر أبدا، ولكن الشرع ورد بأنها تطهر بأن ينزح ماؤها، وهذا واضح، والحمد لله.
فإن استدلوا بأن أعرابيا بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بأن يصب عليه ذنوب من ماء، فلو كان الماء ينجس بوروده على النجاسة، لكان ذلك الماء يزيد المسجد نجاسة.
صفحة ٧٠