1078

قيل له: تسمية جميع ذلك بما ذكرتموه لا يدل على ما ذكرتموه، وعلى أنه ملة واحدة، ألا ترى أنه قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما عد أنبياءه الماضين: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}، فأجرى سبحانه ما كانوا هم عليه مجرى هدي واحد، ولم يمنع ذلك من أن يكون لهم ملل مختلفة، فلا وجه لامتناع من يمتنع من أن مللهم عليهم السلام يجوز أن تختلف؛ لأن الملة اسم للشريعة، وهي(1) مأخوذة من الإملال الذي هو الإملاء، ولا خلاف أن شرائع كثير منهم قد اختلفت، ولهذا لم يمتنع كثير من أصحابنا المتكلمين من إطلاق القول في المجبرة والمشبهة مع ثبوت كفرهم أنهم من أهل ملتنا لانتحالهم شريعتنا، ولا أحفظ خلافا في أن الفاسق يقال له من أهل ملتنا، وإن كان لا يجري عليه اسم الإيمان، ومما يدل على ذلك ما رواه أبو بكر الجصاص في شرحه (مختصر الطحاوي) بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة الإسلام فإنها تجوز على الملل كلها) فأثبت [النبي] (2) صلى الله عليه وآله وسلم، بظاهر قوله ثلاث ملل، لأن الملل جمع ملة، وأقل الجمع يجب أن يكون ثلاثة، وهذا نص ما ذهبنا إليه، لأن من يخالفنا يقول: إنه ليس غير(3) ملتين ملة الإسلام، وملة الكفر، فإذا وجب اثبات ملة ثالثة لظاهر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثبت أن الكفر ملل.

فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إنه أطلق لفظ الملل، وأراد ملتين، فعبر عن الإثنين بلفظ الجمع؟

قيل له: حقيقة الجمع لا تكون لأقل من ثلاثة، وإنما يجري لفظ الجمع على الاثنين على طريق(4) المجاز، فإذا كان هذا هكذا، لم يصح ما قالوه، لأنه يؤدي إلى صرف قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحقيقة إلى المجاز.

صفحة ٢١