1072

وروى أبو العابس الحسني(1) في (النصوص) بإسناده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى كعب بن مالك، وفي بعض الأخبار<دع فإنها لاتحصنك>. فليس يخلو المراد بالإحصان من أحد أمرين، إما أن يكون الإحصان الذي يستحق الزاني معه الرجم، أو إحصان العفاف، ولا يجوز أن يكون [المراد به] (2) الإحصان الذي يستحق معه الرجم، لأن القول من النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج مخرج التنفير عن هذا النكاح والتزهيد، ولا يجوز أن يزهد الإنسان في فعل إذا فعله كان معه أبعد من استحقاق القتل، لأن التنفير بمثله لا يصح من عاقل، فثبت أن [ليس](3) المراد به لا تكسبك العفاف؛ لأن المسلمة والكتابية في هذا سواء، فلم يبق إلا أن يكون المراد [به] (4) لا تبقيك على العفاف، ولا يجوز أن يكون فعل من الأفعال يمنع بقاء فاعله على العفاف إلا إذا كان محرما، فثبت بذلك تحريم نكاحهن على المسلمين، على أن الدلالة عندنا قد دلت على أن أهل الذمة يكون لهم الإحصان الذي يستحق معه الرجم، فلو كان المراد أيضا ذلك(5) الإحصان، لكان يفيد أن النكاح [أيضا] (6) لا يصح؛ لأن كعبا كان قد حصل له جميع الشرائط الموجبة للإحصان من الإسلام والبلوغ والعقل، ولا يجوز أن يكون نفى إلا النكاح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <إنها لاتحصنك> يفيد أن النكاح بينك وبينها لا يصح، إذ لا يصح حمله علىأن الإحصان يمنع منه كونها من أهل الذمة؛ لقيام الدلالة على خلافه، ويمكن أن يستدل بقوله تعالى: {فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}، فشرط الإيمان في الحرائر والمملوكات، فثبت أنه شرط في صحة نكاحنا، ومما يمكن أن يعتمد عليه في هذا الباب قوله عز وجل: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} فجعل جنس الخبيثين والخبيثات بعضهم لبعض، وجعل جنس الطيبين والطيبات بعضهم لبعض، فدل ذلك على ما قلناه.

فإن استدلوا بقوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات} إلى قوله: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}.

قيل له: المراد به اللواتي أسلمن والذين أسلموا منهم.

فإن قيل: كيف ينطلق عليهم سمة أهل الكتاب بعد الإسلام؟

قيل له: لا يمتنع ذلك، وقد قال الله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} فأجرى سبحانه اسم أهل الكتاب مع الإيمان والخشوع عليهم، وقال سبحانه: [{ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم..} الآية، وقال أيضا:] (1) {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا..} إلى قوله: {منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} فجعل منهم مؤمنين وجعل منهم أمة مقتصدة.

فإن قيل: هذا وإن ثبت في بعض المواضع، فليس هو الظاهر في الشرع، فمن أين لكم أن المراد في هذه الآية ما ذكرتم؟

قيل له: يدل على ذلك أمران /13/ أحدهما: ترتيب(2) الآية على وجه يدل عليه.

والثاني الخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

صفحة ١٥