شرح التجريد في فقه الزيدية
والأصل فيه: ما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلا يقول: لبيك، عن شبرمة، فقال من شبرمة؟ فقال: أخ لي، أو قريب لي، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة. فمنعه صلى الله عليه آله وسلم أن يحج عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه. ثم روى أيضا ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلا يلبي عن نبيشة فقال: أيها الملبي عن نبيشه أحججت عن نفسك؟ قال لا. قال: ((فهذه عن نبيشتك، وحج عن نفسك)) فأجاز له صلى الله عليه وآله وسلم أن يحج عن نبيشه وإن لم يكن حج عن نفسه. وروى ابن أبي(1) شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حميد بن الأسود، عن جعفر، عن أبيه، أن عليا عليهم السلام كان لا يرى بأسا أن يحج الصرورة عن الرجل. فكان فيه مثل ما في الحديث الذي ذكر فيه نبيشه. فلما ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى واحدا أن يحج عن غيره إلا بعد أن يحج لنفسه(2)، وأباح لآخر أن يحج لغيره، وإن لم يحج لنفسه، كان الاختلاف الواقع فيه لا يخلو من أن يكون راجعا إلى اختلاف حال المحجوج عنه، أو إلى اختلاف أحوال الحاج، ولا خلاف أن أحوال المحجوج عنه، لا تؤثر في ذلك، فلا بد من أن يكون المؤثر فيه اختلاف أحوال الحاج، ولا حال للحاج يؤثر فيه غير كون أحدهما ممن يلزمه الحج لوجود الزاد والراحلة، وكون الآخر ممن لا يلزمه الحج لعدم الزاد والراحلة، فبان أن المؤثر فيه هو ما ذهبنا إليه؛ إذ لم يقل أحد أن التأثير لغير ذلك. ولا خلاف أن الجهاد لا يقع عن الغير مع وجوبه على الفاعل، فكذلك الحج، والمعنى أن كل واحدة منهما عبادة تتعلق بالمال، وفيهما قطع مسافة. ولا خلاف أيضا أن من كان عليه طواف مفروض، لم يقع الطواف لغير ما لزمه، فكذلك الإحرام، والمعنى أنه ركن من أركان الحج، فوجب ألا يصح وقوعه إلا على الوجه الذي لزمه.
فإن قيل: فهلا يصح على أصلكم؛ لأن عندكم أن من كان فقيرا غير واجد للاستطاعة يجوز له أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه، وهو وإن لم يلزمه الحج، فهو في منزلة من لزمه إذا حضر الحرم والميقات.
قيل له: عندنا إذا خرج لغيره بماله، لم يلزمه فرض نفسه، ويكون حاله كما كان وهو في منزله، فلا يعترض ذلك قياسنا، ويكون الكلام بيننا وبين أصحاب الشافعي في بيان أن الفقير الذي لا يجد الزاد والراحلة إذا حضر الميقات لغيره بمال الغير لا يلزمه الحج، ويبين ذلك بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقد ثبت أن الاستطاعة منها الزاد والراحلة، وهذا لم يستطع إليه سبيلا، فوجب أن لا يلزمه، وأيضا لا خلاف /264/ بيننا وبينهم أن من قد حج يصح أن يستأجر للحج عن الغير، وهو في منزله، فكذلك الفقير الذي لم يحج، والمعنى أنه مسلم، لا حج عليه، مع صحته منه، فإذا ثبت ذلك، فلا قول بعده إلا قولنا.
ويجوز أيضا أن نقول: إن ذلك إذا ثبت أنه ورد الميقات، فقد لزمه الحج عن الغير بحكم الإجارة، فلا يصح أن يلزمه إذا الحج عن نفسه، لاستحالة أداء حجتين في سنة واحدة، فإذا لم يلزمه ذلك، حج، مضيه في حج غيره، كما صح ممن قد حج، على أنه لا خلاف أن من كان من أهل الميقات والحرم، لا يلزمه الحج، إلا بوجود الزاد والراحلة، فلو عينا المسألة فيمن لا يملك شيئا، كان لا إشكال في أنه لا يلزمه الحج عن نفسه، وإذا صح ذلك فيمن ذكرناه، فلا فصل بينه وبين الفقير الذي لا يجد ذلك القدر إذا حضر الحج عن الغير في قول أحد من الناس.
صفحة ٥٢٨