475

ولعل هذا هو السر في تعليق الوعد والوعيد على الصفة الطيبة أو الخبيثة أو صلة الموصول الجارية في المعنى مجرى الصفة ليحقق تعليق الوعد على الصفة المذكورة أو الصلة أو الوعيد، فقوله تعالى في آخر آية ] محمد رسول الله [: ] وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما [ لتحقيق تعليق الوعد على الإيمان والعمل الصالح لمن كان كذلك منهم، وفائدته أن لا يتوهم تعليق الوعد على خصلة من الخصال المذكورة في أول الآية أو عليها وحدها ويتوهم أن الوعد تابع لها، أو يتوهم أن الوعد للأشخاص غير معلق على الصفات. فأما توهم أن قوله تعالى: ] منهم [ بجعل « من » للبيان يقتضي أن الجميع مؤمنون عاملون للصالحات فهو خطأ وإن كانوا في الواقع كذلك، لأن الآية الكريمة إنما هي في المؤمنين، كما دلت عليه الصفات المذكورة في أولها، بل التحقيق أن « من » مع كونها للبيان لا تدل على ذلك وإنما المراد التنصيص على أن من كان منهم مؤمنا عاملا للصالحات فله الوعد المذكور، سواء أكانوا كلهم أم بعضهم، فالكلام لا يدل على كلية ولا على تبعيض. ونظيره قوله تعالى: ] يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب [(1)[341]) فليس المراد كلهن أتين بفاحشة ولا بعضهن، حاشا وكلا، وإنما المراد التنصيص عليهن بالوعيد لمن أتت بفاحشة منهن، وذلك لا يدل على وقوع ذلك منهن لا كلهن ولا بعضهن، وهكذا الوعد والوعيد في القرآن أكثره من هذا القبيل يأتي على فرض الصفة التي يعلق عليها الوعيد أو الوعد، لا على الإخبار بأنها واقعة سواء كانت واقعة أو غير واقعة، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم [(2)[342]).

صفحة ٤٨٥