362

وقال أبو يزيد البسطامي: السيد هو الذي قد عظمت همته؛ ونبل قدره أن يحدث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السخي.

" قال صلى الله عليه وسلم: " من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: جد بن قيس إلا أنه بخيل: قال: " وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح ".

قوله تعالى: { وحصورا } الحصور: هو الذي لا يأتي النساء، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء والسدي والحسن؛ يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات. وقال ابن المسيب والضحاك: (هو العنين الذي ما له ذكر قوي)، ودليل هذا التأويل ما روى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" " كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا؛ فإنه كان سيدا وحصورا؛ { ونبيا من الصالحين } ". ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: " كان ذكره مثل هذه القذاة " ".

وقال المبرد: الحصور: هو الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وقد يسمى كاتم السر حصورا، والذي لا يدخل مع الناس في الميسر حصورا لامتناعه من ذلك، وأصله من الحصير وهو الجسد؛ يقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحصر في قرانه إذا امتنع من اللقواة فلم يقدر عليها، ومنه إحصار العدو، قال الله تعالى:

وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا

[الإسراء: 8] أي محبسا. ويسمى الحصير حصيرا لأنه أدخل بعضه في بعض بالنسج وحبس بعضه على بعض. وأولى ما قيل في تفسير قوله تعالى: { وحصورا }: هو الذي لا يأتي النساء، يحبس نفسه عن ذلك اختيارا، فهذا التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا شهوة له؛ لما في هذا من إضافة عيب العنة إليه.

[3.40]

قوله عز وجل: { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء }؛ معناه: قال زكريا لجبريل حين سمع البشارة يا سيدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات عقر لا تلد، قال له جبريل مثل ذلك (يفعل الله ما يشاء)؛ أي الذي شاءه . وقال بعضهم: أراد زكريا بالرب الله عز وجل؛ أي قال يا رب كيف يكون لي غلام.

قال الكلبي: (كان زكريا يوم بشر بالولد ابن تسعين سنة). وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وروى الضحاك عن ابن عباس: (أنه كان ابن مائة وعشرين سنة). وكانت امرأته بنت ثماني وتسعين سنة، فذلك قوله تعالى حاكيا عنه: { وامرأتي عاقر } أي عقيم لا تلد.

صفحة غير معروفة