950

" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ".

وفي بعض الكتب: " يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار، من يعبر فيأتي به؟ العلم مجبول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بأدب الروحانيين، وتخلقوا إلي بأخلاق الصديقين. أظهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم ".

فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجرد للذكر والفكر تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أذكياء المفسرين. وإذا انكشف ذلك للمراقب، ويعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية، وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق علم النفس، وخواطرها، وهواجسها، فإن كل علم من هذه العلوم بحر لا يدرك غوره، وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق، وبقدر ما وفق بحسن العمل.

وروي في الإسرائيليات إن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمأة وستين مصحفا في الحكمة، حتى وصف بالحكيم، فأوحى الله إلى نبيهم: " قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا، ولم تردني شيئا من ذلك. وإني لا أقبل من نفاقك شيئا " فندم الرجل وترك ذلك وخالط العامة في الأسواق، وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه، فأوحى الله إليه: " قل له: الآن وافقت رضائي ".

ومنها: أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عما يفسدها، ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير الشر. فإن أصل الدين التوقي من الشر. ولذلك قيل:

عرفت الشر لا لش

شر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر

من الناس يقع فيه

ولأن الأعمال البدنية لا تتم إلا بالقصود والنيات، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تعريفه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعم البلوى به في طريق سلوك الآخرة.

صفحة غير معروفة