894

ليس للإنسان إلا ما سعى

[النجم:39] وليس لأحد في العقبى إلا ما تزود في الدنيا.

وهي تنقسم إلى عفة وهي سياسة قوة الشهوة، حتى لا تكون مستولية ولا مطموسة وإلى شجاعة، وهي تعديل قوة الغضب، حتى لا يكون الإنسان من جهتها متهورا ولا جبانا مقهورا، بل يكون اقدامه واحجامه بمقتضى العقل المنور بنور الإيمان، وإلى حكمة، وهي اصلاح القوة الادراكية حتى لا تكون جربزة مكارة كالشيطان في استنباط دقائق الحيل في الدنيا، والتفريعات الجزئية من العلوم التي ضرها أكثر من نفعها. ولا يكون أيضا بليدا غير مرو في الأشياء النافعة.

وهذه الحكمة غير الحكمة التي أثنى عليها كتاب الله بقوله:

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا

[البقرة:269]. فإنها كلما كانت أكثر فهي أجل وأشرف.

ومن تعديل هذه الثلاثة - أعني ملكة العفة، والشجاعة، والحكمة - تحصل للنفس ملكة أخرى تسمى بالعدالة، وهي ميزان أنزله الله تعالى على لسان رسوله، إذ قال:

ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان

[الرحمن:8 - 9]. فمن أخصى نفسه لترك شهوة الجماع، وترك النكاح مع الاستطاعة والأمن من الغائلة، أو ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة والفكر فقد أخسر الميزان، ومن انهمك في الشهوات فقد طغى في الميزان، وإنما العدل أن يخلو الوزن والتقدير عن الطغيان والخسران، وتتعادل كلتا كفتي الميزان، وفي ذلك تحصل النجاة عن عالم الأضداد وخلاص النفس عن أسر عفاريت الظلمات، وأفاعي الشهوات، فإن التوسط بين الأطراف بمنزلة الخلو عنها.

فهذه هي الفضائل والخيرات المحضة، وهي سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه، وهي النعمة الحقيقية. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله)

صفحة غير معروفة