هذا ما ذكر - والحق أن الحياة ليست مما تخص حقيقتها للقوة الحساسة التي في هذه الحيوانات أو مبدئها فقط - كما توهم -، بل لكل شيء حياة تخصه بها يسبح الله ويمجده، وبإزائها موت، هو عدم تلك الحياة عنه كما قال تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء:44]. وذلك لأن لكل شيء وجودا يخصه، به ينفعل عما فوقه ويفعل فيما دونه، وهذا الانفعال والفعل في هذه الحيوانات، هو الإحساس والتحريك، وفي الإنسان هما التعقل والروية، وفي النباتات، هما التغذي والتوليد ؛ وهكذا القياس فيما علا وما سفل، حتى يرجع في إحدى الحاشيتين الفعل إلى الانفعال كما في الهيولى، وفي الأخرى بالعكس، لأنه محض الوجود والفعلية.
وأصل جميع الموجودات كلها هو الله، من اسمه " النور " ، فهو نور ما علا - وهو السماء - وما سفل - وهو الأرض -، فتأمل في إضافة النور اليهما في قوله:
الله نور السماوات والأرض
[النور:35]. وجميع الأجسام عند أهل اكلشف شفافة نورية، حتى الأرض مع كثافتها، فإنها مثل الزجاج الصافي، إذا خلصت وصفت من كدورة رملها تعود شفافة، ومن هذا الباب، أكوان الجلي من الأحجار والنيران الكامنة فيها وفي الأشجار.
وههنا دقيقة، وهي أن أجزاء الأرض تتحرك وتستحيل إلى النبات، والنبات في استكمالاته يتوجه إلى غاية هي وجود اللبوب، وما من لب إلا وله دهن فيه نور بالقوة ولولا النورية التي في الأجسام الكثيفة، ما صح للمكاشف أن يكشف ما خلف الجدران، ولا كان قيام الميت في قبره، والتراب عليه لا يمنعه من كشف أحواله، وإن كان الله قد أخذ بأبصارنا عنه ويكشفه المكاشف منا.
وقد ورد في ذلك أخبار كثيرة، ومن خواص الهدهد المذكور في قصة سليمان - على نبينا وآله وعليه السلام -، أن الأرض شفافة في نظره، فيرى مواضع العيون تحتها.
أوما سمعت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدرك ما خلف حجاب ظهره، كما كان يدرك أمامه، ولم يحجبه كافة عظم الرأس وما يحويه من العروق والعصب والمخ وما عليها.
والسر في سريان نور الحياة فيها وفي سائر الأجسام، أن أول موجود أوجده الله هو القعل، وهو نور إبداعي إلهي، وأوجد عنه النفس - وهي دون العقل في النورية - ومنه الطبيعة، ومنها الجسم؛ وهذه بسائط أجناس العالم، وما زالت الأشياء تكشف حتى انتهت إلى الأركان والمواليد، ولما كان لكل موجود وجه خاص إلى موجده - وهو الله -، كان سريان نور الحاية فيه، ولما كان له وجه إلى سببه، كان فيه من الظلمة والكثافة والعدم والموت.
صفحة غير معروفة