608

من يهد الله فهو المهتدي

[الأعراف:178]. أي: من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق بأن يسمى مهتديا.

فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة، وقد انكشف عليك حالها فيما تقدم في باب الاضلال.

وعند الجبرية للهداية وجه آخر، وهو كون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم، في مقابلة الإضلال، بمعنى [خلق] الضلالة والجهل، كما أن الله هو المحيي والمميت، بمعنى خالق الحياة والموت.

قالت المعتزلة: إن هذا غير جائز لغة، إذ لا يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق جبرا وكرها: " إنه هداه إليه " ، وإنما يقال: " رده إلى الطريق المستقيم ". وذكروا وجوها أخرى مكررة الايراد والاندفاع لا نطول الكلام بذكرها تفصيلا.

ويكفي للجميع جواب واحد، وهو أنا نعلم يقينا بالقواطع البرهانية، أن خالق الأشياء كلها هو الله - إما بلا واسطة، أو بواسطة -، والتي تمسكتم بها وجوه لغوية أو نقلية قابلة للاحتمال، والمحتمل لا يعارض القاطع، فوجب المصير إلى ما يقضي به العقل المنير؛ أو ما يسمع بالقلب السليم ممن عنده علم من الذكر الحكيم، كما قال تعالى:

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

[النحل:43].

قوله جل اسمه: { وما يضل به إلا الفاسقين }

الفسق، أصله الخروج، من قولهم: " فسقت الرطبة من قشرتها " أي: خرجت، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة، وتسمى الفأرة " فويسقة " لخروجها لأجل المضرة.

صفحة غير معروفة