واعلم أن كلام أهل الحقيقة في هذا المقام بلغ منتهاه، وأقدام أرباب البصيرة والكشف رسخت في مستقره ومرتقاه، وكان نصيبهم فيه من الكأس الأوفى والقدح المعلى، فشربوا من برد عين اليقين، وأفاضوا جرعه للعطاش السالكين .
فقالوا - كما وقعت الإشارة إليه -: إن الله تعالى متجل للخلق بجميع صفات كماله وأسمائه، ومفيض على عباده وعوالمه بكل نعوت جماله وجلاله، فأول ما تجلى تجلى في ذاته لذاته، فظهر من تجليه عالم أسمائه وصفاته، فهي أول حجب الأحدية؛ ثم تجلى بها على عالم الجبروت، فحصلت من تجليه أنوار عقلية وملائكة مهيمية قدسية، وهي سرادقات جبروته؛ ثم تجلى من خلف حجب تلك الأنوار على عالم الملكوت الأعلى والأسفل، ثم على أشباحها الغيبية والمثالية، ثم على عالم الطبيعية السماوية والأرضية.
ولكل من هذه العوالم والحضرات منازل وطبقات متفاوتة، وكلما وقع النزول أكثر، قلت الأنوار الأحدية بكثرة هذه الحجب الإمكانية أكثر، وتراكمت النقائص والشرور بمصادمات الاعدام والقصورات أشد وأوفر.
أولا ترى أن كلا من الصفات السبعة الإلهية - التي هي أئمة سائر الصفات وأصول الكمالات -، تكون في الذات الأحدية بريئة من النقيصة والإمكان والكثرة والحدثان، ثم إذا وقعت ظلالها في هذا العالم الأدنى، صحبتها الآفات والشرور، ولزمتها الأعدام والنقائص والقصور والدثور، وإذا ارتفعت هذه الصفات بارتفاع موصوفاتها وذواتها عن عالم الأجسام إلى عوالم النفوس والعقول، زالت عنها الشوائب والنقائص بقدر ارتفاعها، وعلى حسب درجات وجوداتها تخليصا وتطهيرا، وإذا رجعت إلى عالم الأسماء، وجاوزت بكلماتها الطيبات وصحائفها العاليات الى الحضرة الإلهية، تطهرت عن الشوائب كلها، وبلغت حد الكمال، وخلصت عن الكثرة والانحلال، وعادت إلى إقليم الوحدة والوصال، والانخراط في صف أنوار الجمال والجلال، والاضمحلال في سطوة قهر المهيمن المتعال.
إذا تقرر هذا، فلنرجع إلى تحقيق الجبر والقدر فأقول: إن نسبة أفعال العباد كلها إلى الله، إن وقع من العارف المحقق، فهو حق وصواب، وإن وقع من الجاهل المتكلم، فهو باطل وخطأ، وكذا تنزيه الله عنها جميعا، إن وقع من السابقين الأولين والحكماء الشامخين، والعرفاء الراسخين فهو أدب وتجريد، وإن وقع من الحكيم الباحث، أو المتكلم القوال من أهل الاعتزال، فهو سوء أدب وتعطيل، وفتح باب التأويل في أكثر الآيات، وسد عظيم لطريق الاهتداء بأنوار التنزيل.
أما نسبة البعض كالخيرات إليه تعالى، والبعض الآخر كالشرور إلى غيره، فمما له وجه عند الطائفتين الأوليين، كل بحسب حاله ومقامه، وأما لو وقع من غيرهما من أصحاب الفكر أو الرواية، فيوشك أن يكون فيه قرع باب الثنوية في الاعتقاد، ولا يأمن قائله من أن يحجب عن نور الحق يوم المعاد.
وأما المقلد العامي المسلم السليم، فهو أدنى إلى النجاة في معاده من جهة اعتقاده، وأقرب إلى السلامة لاقتصاده، بل هو مسلم معذور، وليس بمفتون ممكور.
فالأشاعرة، حيث نسبوا الأفعال إلى الله تعالى، فقد أساؤوا الأدب وتجاسروا في حق الحق، وما عرفوا حكمة الايجاد وترتيب النظام وجهلوا علم التكليف، فكيف أجابوا عمن سئلهم من المكلف الذي قيل له: " افعل " أو " لا تفعل "؟ وبمن تعلق الأمر والنهي؟ وإلى من توجهت الشريعة النبوية؟ فكانت الشريعة كلها هباء وعبثا، وغاية السعي والطاعة ضائعا وهذرا.
وليس متعلق التكليف ما يسمونه بالكسب، إذ لا تأثير له عند من يقول به، بل الذي يتعلق به التكليف، وتناط به الشريعة، اقتدار لطيف من العبد مندرج في الاقتدار الإلهي، كاندراج نور الكواكب والسراج في نور الشمس، فيعلم بالدليل أن للكوكب نورا منبسطا على وجه الأرض، لكن ما ندركه لسلطان نور الشمس، كما يعطي الحس في أفعال العباد أن الفعل لهم حسا وشرعا، وأن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل بالبرهان، ولا يدركه الحس، كاندراج نور الشمس في نور الكوكب - وهو عين نور الشمس والكوكب لها مجلى -.
فالنور كله للشمس، والحس يجعل النور للكوكب، وعلى الحقيقة لا نور إلا نور الشمس، فاندرج نوره في نفسه، إذ لم يكن ثمة نور غيره، والمرائي - وإن كان لها أثر - فليس ذلك من كونها نورا، فالنور له أثر من كونه نورا بلا واسطة، ويكون له أثر آخر في مرآة تجليه يحكم بخلاف حكمه من غير واسطة؛ فنور الشمس إذا تجلى في البدر، يعطى من الحكم ما لا يعطيه منه بغير الواسطة، ولا شك في ذلك.
صفحة غير معروفة