وكذا الحال في جميع الذوات والصفات، لأن العوالم المترتبة في الشرف والدناءة، كلها صور ما في علم الله، ومنازل صفاته وآياته، وهذه النقائص والشرور إنما لحقتها في هذا العالم، وفي المراتب النازلة، لبعدها عن منابع الخيرات.
فصورة الغضب إذا وجدت في عالم الأبدان، عبارة عن ثوران دم القلب، وانتشار العروق وارتفاعها بها إلى أعالي البدن، كما ترتفع النار الذي يغلي في القدر، فيحمر الوجه والعين، والبشرة تحكي ما وراءها من حمرة الدم، كما تحكي الزجاجة لون الشراب الذي فيها.
وإذا وجدت في عالم النفس، فهي عبارة عن حالة نفسانية توجب اشتعال نار الطبيعة، وإحراق مواد البدن ورطوباته، وتفعل بها ما تفعل النار المحسوسة بالحطب اليابس، ويتصاعد عند شدة ناره دخان مظلم إلى معدن الفكر، فتستولي ظلمته على نور العقل، وينطفي وينمحي في الحال بدخان الغضب.
وربما يتعدى الإظلام إلى معادن الحس، فتظلم عين الرجل حتى لا يرى بعينه، وتسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه ككهف، كأتون أضرمت فيه نار فاسود جوه وحمي مستقره، وامتلأت بالدخان جوانبه، ولا يسكن عن ذلك بالموعظة وغيرها، بل يفعل ذلك إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق.
وربما يشتد بحيث يفني الرطوبة التي بها حياة البدن، فيموت صاحبه غيضا، كما تقوى النار في الكهف فيشقق فتنهد أعاليه على أسافله، وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه.
فهذا حال الغضب الناشئ من النفس، ولا ينفك عن انفعالات وكدورات وآلام يعود إليها، حيث إنه يسري حكم الغضب أولا في البدن والمملكة وجنودها وقواها، وبواسطتها يسري إلى عدوها.
وأما إذا وجدت صورة الغضب في عالم العقل، فحقيقتها هي القهر على ما دون عالمه، قهرا يوجب خضوع النفوس التي هو فوقها، وطاعة الطبائع والأجرام التي هي تحته من غير تغير ولا شوب انفعال، لبراءة عالم العقل عن سنوح التغيرات والانفعالات.
وأما الغضب الإلهي ، فإنما هو صفة قهاريته على الكل، وغلبة نور أحديته وفردانيته، التي لا مجال لوجود الكثرة والإمكان عنده، ولا لظهور يتشارك في صفة الوجود لديه، فيهلك كل شيء يوم القيامة لدى غضب الله الواحد القهار، ويضمحل كل ظل وفيء عند غلبة ظهور نور الأنوار، وقد ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله):
" إن الله يغضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ".
واعلم أن النار - سيما نار الآخرة - صورة من صور غضب الله الساري في العوالم، وشرر من شرارة ناره، ومظهر من مظاهر قهره، وكذا شر إبليس وشرور جنوده وأولاده مظهر آخر فوقها، والهاوية مظهر دونها؛ كما أن الماء - سيما ماء الحياة والكوثر - صورة رحمته، والعرش الذي على الماء محل استواء الرحمن صورة فوق ذلك. والمادة الأولى دونه، والنبي الخاتم - صلوات الله وسلامه عليه وآله - لكونه رحمة للعالمين، هو المظهر الجامع لشؤون الرحمة الإلهية، كما أن في مقابله إبليس هو الجامع لجميع الشرور، الحاوي هو وأولاده وجنود إبليس أجمعين لمظاهر الغضب وشؤونه إلى يوم الدين.
صفحة غير معروفة