551

وأما الوجه الأول منها، فهو أن الاستحقاقين إما أن يتضادا، أو لا يتضادا؛ فإن تضادا، كان طريان مشروطا بزوال الباقي، وكان زوال الباقي معللا بطريان الطاري، فلزم الدور - وهو محال -، وإن لم يتضادا، فلا يضر طريان أحدهما لبقاء الآخر.

والجواب عنه بوجهين:

أحدهما: النقض بجميع أقسام المتضادين - كالسواد والبياض، والحرارة والبرودة وغيرهما - لجريان هذا الوجه فيهما.

وثانيهما: بالحل، وهو أن كل واحد من الإيمان والكفر قابل للشدة والضعف، لأن الإيمان نور في القلب يشتد ويضعف، وغاية ضعفه هو الاعتقاد الحاصل بالتقليد من غير برهان ولا بصيرة كشفية، وغاية قوته ما يصير حق اليقين بعد أن يكون علم اليقين وعين اليقين.

والكفر أيضا ظلمة قابلة للاشتداد والتضعف؛ هذا إن أريد به الاعتقاد المخالف للحق، كالاعتقاد بالشرك، وبمعبودية الأصنام والأوثان، وإن أريد به مجرد عدم الإيمان، فهو كسائر الأعدام غير قابلة للكمال، والنقص، وتقابله مع الإيمان يكون تقابل العدم والملكة.

فإذا تقرر هذا، فقوله: " والجمع بينهما محال " ، إن أراد به الجمع بينهما في آن واحد، فهو مما لا خلاف لأحد فيه، ولا تحتاج دعوى الاستحالة إلى ما ذكره من الوجوه الثلاثة، لأنهما إما متضادان، أو متقابلان تقابل الملكة والعدم.

وإن أراد به الجمع بينهما في ذات واحدة - وإن لم يكن في آن واحد -، فما ذكره لا يدل على استحالة التعاقب بينهما، فإن أحدهما إذا ضعف شيئا فشيئا حتى انمحى أو بطل دفعة - إما بزوال أسباب الحصول تدريجا أو دفعة -، أمكن طريان الآخر - سواء كان الآخر عدميا كالجهل البسيط من ضربي الكفر، أو وجوديا كالجهل المشفوع بالعناد والاعتقاد المخالف للحق منهما، سيما إذا قوي الآخر أيضا تدريجا أو دفعة بحصول سببه القوي، أو تراكم أسبابه الضعيفة وعلله الناقصة حتى صارت تامة كاملة -، وهكذا الحال في تعاقب كل متضادين أو متقابلين تقابل الملكة والعدم في موضوع واحد.

وأما الوجه الثاني: فهو أن المنافاة حاصلة من الجانبين، فليس زوال الباقي بطريان الطاري أولى من اندفاع الطاري بقيام الباقي؛ فإما أن يوجدا معا - وهو محال -، أو يتدافعا، فحينئذ يبطل القول بالمحافظة.

والجواب، باستبانة ما مر من احتمال الشدة والضعف فيهما، فالأشد يقهر الأضعف ويدفعه، فالقول بعدم الأولوية لأحدهما في دفع الآخر عن الآخر في دفعه، ممنوع، فلا يلزم وجودهما معا، ولا تدافعهما معا.

وأما الوجه الثالث: فهو يجري مجرى الأولين اشكالا وانحلالا - فلا نطول الكلام بذكرهما -.

صفحة غير معروفة