508

والثاني: إن الكلام مسوق في المتحدى به - لا في المنزل عليه -، فوجب صرف الضمير إليه ليتسق الترتيب ويحسن النظم.

والثالث: إن مخاطبة الجماعة الكثيرة بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أمثالهم في البشرية، أبلغ وأقوى في التحدي من أن يقال لهم: " ليأت آخر مثله بنحو ما أتى به هذا ".

الرابع: إن القرآن معجز في نفسه، كامل في حقيقته، كما قال سبحانه:

قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله

[الإسراء:88]. وعند عود الضمير إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، يفيد أن كونه معجزا، إنما يكمل ويتم عند تقدير ما يوهم نقصا في حقه - من كونه أميا بعيدا من العلم -، حاشى الجناب المصطفوي الختمي - على القائم به وآله الصلاة والسلام - عما يوهم خطأ في حقه أو نقصا في نفسه؛ بل كما تشرفت ذاته بالقرآن بعد النزول، تشرفت قبل نزوله بعلوم إلهية وأنوار عقلية، كان يتهيأ ويستعد بها من بين الخلائق كلهم لمشاهدة الوحي الإلهي، وتلقي القرآن من لدن حكيم عليم.

وليس كما زعمه أكثر الناس - ممن لا اطلاع لهم على معنى النبوة وحقيقة الرسالة - من أنه قبل البعثة لم يكن من أولي العلم - حاشاه عن ذلك -، كيف، ولا شرف ولا فضيلة بالحقيقة لنفس الإسنان إلا بالعلم والمعرفة، وبذلك يتميز عن الأقران، ويفوق على سائر الأكوان.

وكونه (صلى الله عليه وآله) أميا لا ينافي أفضليته على الخلق، لأن علم الخط والكتابة ليس من الفضائل الكلية والكمالات العقلية، بل هو من الصنائع الجزئية الوضعية المتعلقة بإدراك الحواس، وأنها كسائر العلوم الجزئية داثرة باندراس الحواس، وكل ما من شأنه الدثور والزوال، فليس في شيء من الشرف والكمال.

الخامس: إن رد الضمير إليه - لا إلى المنزل -، يوهم إمكان صدوره عمن لم يكن مثله (صلى الله عليه وآله) في كونه أميا، ولو صرف إلى المنزل، لدل على امتناع صدوره من البشر مطلقا؛ فهذا أولى وأوفق بقوله: { وادعوا شهدآءكم من دون الله }.

فصل

" الشهداء " جمع شهيد، من " الشهود " وهو الحضور، سواء كان في العين أو في العلم، بالذات أو بالتصور. ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: " شهيد " ، لأنه يحضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه، ويطلق على القائم بالشهادة، والناصر، والإمام، فكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور.

صفحة غير معروفة