ومرضى القلوب ها هنا أكثر من مرضى الأبدان، والعلماء أطباء القلوب، وحكام الشريعة قوام دار المرضى. وكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم، سلم الى الحاكم ليكف شره عن باقي الناس، كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي، أو الذي غلب علي الجنون الى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال، ويكف شره عن سائر الناس.
وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل:
أحدها: أن صاحب القلب المريض لا يدري أنه مريض.
وثانيها: أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض البدن فإن عاقبته - وهي موت البدن -، مشاهدة تنفر الطباع منه، وما بعد الموت غير مشاهد لقلة النفرة عن موت القلب الذي هو عاقبة مرضه، وإن علمها مرتكب الأمراض القلبية والكبائر الموبقة، فلذلك نراه يتكل على فضل الله، ويجتهد في علاج البدن.
وثالثها: وهو الداء العضال، وهو إما فقد العلماء الذين هم الأطباء، كما في هذه الأعصار، أو فقد الإيمان بما يقول الطبيب، كما في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، وأعصار ورثته (عليهم السلام).
فنقول: يحتاج المريض الى التصديق بأمور:
الأول: أن للمرض والصحة أسبابا يتوصل اليها بالاختيار على ما رتبه مسبب الأسباب. وهذا هو الايمان بأصل الطب، فإن من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج، فيزداد مرضه الى أن يلحق به الهلاك، وهذا وزانه في مرض القلوب هو الإيمان بأصل الشريعة، وهو أن للحياة الأخروية والسعادة الدائمة سببا هو الطاعة، وللموت الأخروي والشقاوة الأبدية سببا هو المعصية، وهذا - وهو الإيمان بأصل الشرايع - لا بد من حصوله إما عن تحقيق أو تقليد، وكلاهما من جملة الإيمان.
الثاني: أنه لا بد أن يعتقد المريض في طبيب معين أنه عالم بالطب، حاذق فيه، صادق فيما يخبر به ويعبر عنه، لا يلبس ولا يكذب. فإن ايمانه بأصل الطب لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان. ووزانه فيما نحن فيه: العلم بصدق الرسول (صلى الله عليه وآله)، والإيمان بأن كل ما يقوله حق وصدق، ولا كذب فيه ولا خلف.
الثالث: أنه لا بد أن يصغي الى الطبيب فيما يحذره من تناول الفواكه والأشياء المضرة على أكله، حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء، فتكون شدة الخوف باعثا له على الاحتماء، ووزانه من الدين: الإصغاء الى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والترهيب من ارتكاب الذنوب واتباع الهوى، والتصديق بما يلقى الى سمعه من ذلك من غير شك وريبة، حتى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر، الذي هو الركن في العلاج.
والركن الآخر: هو العلم بما ذكره الطبيب، فإن الشفاء لا يحصل إلا بالدواء، ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء، فكل داء حصل من سبب، فدواؤه رفع ذلك السبب وحله وإبطاله، ولا يبطل الشيء إلا بضده، والضدان متساويان في المعرفة والجهالة، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل والغفلة، والشهوة والهوى، ولا يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الهوى إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للهوى، والغفلة رأس الخطايا، قال الله تعالى:
صفحة غير معروفة